باسل النيرب

لماذا تجذبنا العناوين المضللة أكثر من المحتوى؟

الخميس - 12 فبراير 2026

Thu - 12 Feb 2026



للعنوان القدرة على خطف انتباهنا، حيث يشكل العنوان اللفتة الأولى للانتباه وجر القارئ إلى محتوى قد لا يشبه العنوان في شيء، فهو جملة قصيرة، مليئة بالإثارة تقف على باب المحتوى وتخاطب القلوب لا العقول، ويتحول العنوان من أحرف بسيطة إلى مصيدة كبيرة تعتمد على فضول الإنسان أكثر مما تعتمد على صدق المعلومة.

ويشكل العنوان قوة تأثيرية كبيرة، فالعقل البشري مبرمج على اتخاذ القرارات بسرعة، ويستغل العنوان هذه الطبيعة ويقدم معلومة مختصرة، وإيحاء بأن ما بداخل المقال أهم مما يتوقع، فهي ممزوجة بجرعة مشاعر عالية، فتفتح هذه الصناعة الباب على مصراعيه للتضليل الإعلامي، ولهذا قد يمر المتلقي على آلاف الكلمات دون اكتراث، ولكن يتوقف عند كلمات العناوين، فهي المدخل الذي يقرر ما إذا كان المتلقي سيقرأ ويواصل الانزلاق في بحر التضليل.

ومن باب الإنصاف، فالعنوان المضلل ليس كذبة كاملة بل نصف حقيقة، ويلوح بإيحاء ناقص، وهنا تكمن خطورته، فهو يعطي المعنى المبهم الذي يفتح بابا لخيال القارئ كي يكمل النقص الذي يدور في عقله، ومن الأمثلة الشائعة والتي مرت على كثير منا: «شخصية شهيرة تفعل شيئا غير متوقع!»، «قرار صادم يغير كل شيء!»، العلماء مذهولون.. تحذير خطير!» والكثير الكثير من عبارات مخجلة وإيحاءات مقصودة تحمل دلالات متعددة.

صانعو العناوين المضللة التي لا تقول شيئا يستغلون ثلاث مسائل أساسية، الأولى: العاطفة التي تسبق العقل في الاستجابة ويضرب على وتر الخوف، الغضب، الفضول، والشعور بالخطر، والثانية: العنوان الغامض الذي يقدم جزءا من الحقيقة ثم يحتجز الجزء الأكبر داخل المقال. والثالثة: العنوان المبالغ فيه حيث يستخدم كلمات ضخمة دون محتوى ضخم وعبارات من نوع: «كارثة»، «انهيار»، «فضيحة»، «صادم»، فاللغة هنا ترتدي معطفا أكبر من الحدث.

أما لماذا تنتشر العناوين المضللة، فهي ببساطة تؤدي عملها في زيادة الزيارات للموقع فترفع معدلات النقر، وترضي خوارزميات المنصات، وتسهل من مشاركة المحتوى الزائف، ومستغلة حاجة في النفس البشرية «المشاركة»، فكثير من الجمهور يشاركون العنوان من دون قراءة المقال، مما يزيد من انتشار دورة التضليل دون التحقق من المحتوى والمصداقية.

ولهذا يصبح العنوان سلاحا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وتستغل بعض الجهات العنوان المضلل كأداة تأثير مباشر لخلق الانقسام وتأجيج الغضب، وتشويه الخصم، وتوجيه الرأي العام دون تقديم معلومة واضحة، فالزمن هنا مؤثر، فهو يظهر في لحظة توتر ويقوم بعمل كامل من دون أن يضطر للتحقق من التفاصيل.

ضمن أدبيات التحقق وكشف العنوان المضلل من المفيد التنبه للعنوان: هل يستخدم كلمات كبيرة بلا تفاصيل؟ وهل يطرح وعودا تحمل دلالات مبالغ فيها؟ وهل يتعمد الغموض؟ وهل يثير مشاعر أكثر مما يقدم معلومة؟ وهل يوجد اختلاف ما بين العنوان والمحتوى عند قراءته؟

ختاما، العنوان المضلل ليس مجرد خدعة صحفية؛ بل بوابة لتضخيم الزيف وإشعال المشاعر، والمطلوب من الجمهور ليس رفض كل العناوين؛ بل التحقق بأكثر من وسيلة وتدريب العين على التروي وقراءة الفقرة الأولى من المحتوى قبل الحكم، ثم مقارنة العنوان بالمضمون، وعدم مشاركة موضوعات بناء على العنوان فقط.