إلانه موفق النويصر

هل فصل دراسي كاف لصناعة محترف؟

السبت - 07 فبراير 2026

Sat - 07 Feb 2026

"الدراسة شي والعمل شي آخر" كم مرة سمع أحدنا هذه الجملة أو قيلت له؟ في الوقت الذي تبذل فيه الجامعات مجهودا كبيرا في إعداد المناهج، ومراقبة سير العملية التعليمية، والعام الدراسي، والطلبة، وأعضاء هيئة التدريس، إلا أنها غابت عن جانب مهم، وهو ربط الدراسة النظرية بالواقع العملي.

كثير من طلبة الجامعات يصطدمون بعد تخرجهم بالواقع العملي، ويتبادر إلى أذهانهم سؤال واحد: هل ما درسناه في الجامعة كان كافيا لمواجهة سوق العمل؟

الأكيد أننا لا نختلف في أن الجانب النظري هو الركيزة الأساسية، الذي يبنى عليه التخصص، فهو الذي يرسخ المفاهيم، ويصقل الفكر، ويعلم الطالب كيف يفكر قبل أن يعمل، إلا أن المشكلة لا تكمن في وجود النظرية، بل بالاكتفاء بها، وكأنها غاية بحد ذاتها، لا وسيلة للوصول إلى الإتقان والاستفادة منها في العمل.

في كثير من التخصصات الجامعية يترك التطبيق العملي، المعروف باسم «التدريب التعاوني» للفصل الأخير من الدراسة، وفيها يشعر الطالب وكأن سنواته الدراسية السابقة لم تكن سوى تمهيد للوصول إلى هذا «التدريب»، ولكي أكون أكثر دقة تمهيد لاجتياز عدد محدد من الساعات التدريبية التي لا تمتد لفصل واحد، وتنتهي بمجرد استيفائها لتحتسب «تدريبا عمليا».

وهنا تتجلى المفارقة التي يعيشها معظم الطلاب، ولنأخذ على سبيل المثال طلبة «القانون»، إذ يدخل معظمهم مرحلة التدريب وهم متشبعون بالمعلومات، خاصة في ظل تعدد مصادر المعرفة، وعدم اقتصارها على القاعات الدراسية، فالمعلومة اليوم متاحة، ولكن المهارة هي المفقودة.

وعندما يحين وقت التدريب، وهي المرحلة التي ينتظرها الطالب ليحتك بالواقع المهني، يدخل إلى جهات تدريب يفترض أنها تمثل محاكاة حقيقية لبيئة العمل، وهو محمل بالنظريات والنصوص، غير أنه يفتقد للمهارات العملية، والثقة المهنية، وأبسط أدوات التعامل مع التحديات اليومية داخل الميدان، وتزداد المشكلة تعقيدا مع محدودية الجهات التي تقبل تدريب هؤلاء الطلاب تدريبا حقيقيا، فعدد مكاتب المحاماة والشركات والمؤسسات والهيئات الحكومية، التي تفتح أبوابها للتدريب الفعلي قليل جدا، ولا يكاد يلبي احتياج أعداد الخريجين المتزايدة، كما أن فرص التدريب التعاوني نفسها محدودة، ولا تتاح إلا لفئة قليلة، بينما يكتفي معظم الطلبة بتجارب تدريبية شكلية يغلب عليها الطابع النظري، دون ممارسة فعلية أو مشاركة حقيقية في العمل، وهكذا يجد الطالب نفسه قد أنهى متطلبات التدريب رسميا، لكنه لم يكتسب ما يؤهله فعليا لسوق العمل، ليخرج بشهادة تؤكد اجتيازه المرحلة، ولكن دون إجادة لأدواتها.

والأخطر من ذلك أن هذا الانفصال بين النظرية والتطبيق قد يخلق فجوة نفسية لدى الخريج، فيشعر بأنه غير مؤهل أو على الأقل بكفاءة منخفضة، رغم سنوات اجتهاده، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في عدم منحه الفرصة الكافية للتجربة والتعلم من الخطأ.

إن ربط التعليم النظري بالتطبيق العملي منذ السنوات الأولى للدراسة لم يعد ترفا أكاديميا، بل ضرورة حتمية تفرضها طبيعة العصر وسرعة تطور المهن، وإذا كانت كليات الطب قد أرست نموذجا ناجحا من خلال «المستشفيات الجامعية» التي تتيح للطالب ممارسة المهنة تحت إشراف مباشر من أساتذته، فإن كليات الحقوق والعلوم الإدارية باتت اليوم مطالبة بتبني نموذج مشابه «مركز استشارات وقضايا جامعية».

هذا المركز لا يكتفى فيه بالمحاكاة، بل بتولي قضايا واستشارات حقيقية تحت مسؤولية نخبة من الأكاديميين والممارسين، حيث ينخرط الطالب من عامه الأول في صياغة لوائح الدعاوى، وبناء الحجج القانونية، وإدارة الملفات الفعلية، وإذا كان إنشاء مثل هذه المراكز داخل أسوار الجامعة قد يتطلب وقتا أو إمكانات لوجستية خاصة، فإن الحل البديل والمكمل له يكمن في عقد شراكات استراتيجية ملزمة مع كبرى مكاتب المحاماة والشركات القانونية. «شراكات حقيقية» وليس «اتفاقيات تعاون غير ملزمة»، تتضمن بروتوكولات تعاون، تفرض على هذه الجهات تدريبا حقيقيا قائما على الممارسة الميدانية والمشاركة في إعداد المذكرات وحضور الجلسات، بعيدا عن ما هو قائم في الفصول الدراسية، أو المهام الإدارية الهامشية.

إن إشراك القطاع الخاص بالمساهمة في صياغة الكوادر الوطنية، هو استثمار طويل الأمد يخدم سوق العمل والجامعة على حد سواء، حيث يضمن هذا النهج ألا يتخرج الطالب وهو يحمل مخزونا نظريا فحسب مزودا بمعرفة عملية تجعله جاهزا لعمل الميداني بنسبة كبيرة جدا، حيث يمتلك أدوات المهنة وعمق التجربة، متجاوزا رهبة الواقع العملي التي تصدم الكثيرين عند تعرضهم لأول صحيفة دعوى أو مرافعة حقيقية.

شخصيا لا أطالب بإلغاء الجانب النظري أو التقليل من شأنه، بل أطالب بتكامله مع الواقع الحالي، لضمان ألا يمثل «التخرج» حالة من صدمة للطالب عندما يبدأ معايشة واقعه المهني.

إن المرحلة الراهنة وما تحمله رؤية المملكة 2030 من معان متجددة، يدفعاننا للبحث عن حلول تخرج جامعاتنا من إطار «حشو المعلومات» إلى فضاء «صناعة الكفاءات».

لقد حان الوقت ليعامل الخريج كمشروع مهني قيد التجهيز وليس مجرد وعاء للاختبارات، فالسوق العالمي لا يعترف بمن يحفظ النصوص، بل بمن يمتلك المهارة ويصنع الحلول.

ختاما، يبقى السؤال المطروح أمام صناع القرار التعليمي: هل تريدون خريجين يحفظون المقررات، أم محترفين يقودون المستقبل ويصنعون الفرق؟

.....................

التعليم العالي

سوق العمل

التدريب التعاوني

وزارة التعليم