ليلة هروب..!
الأحد - 01 فبراير 2026
Sun - 01 Feb 2026
لمن تجاوز الأربعين عمرا، أرجو أن لا يظن أن المقال يتحدث عن المسلسل المحلي ليلة هروب، الذي عرض على التلفزيون السعودي عام 1989، والذي كان عملا فنيا عظيما، فيه من الدراما الشيء الكثير، وخاصة المشهد الأخير لبطل العمل محمد حمزة، وهو على شاطئ البحر عندما كان يصرخ بأعلى صوته؛ نجوى، نجوى، نجوى، كون فايزة كمال زوجته في ذلك العمل، قد صعدت القارب معه، لكنه فجأة قرر النزول من القارب ذاته، لتواجه زوجته المسكينة مصيرها في البحر غرقا، لتختفي من الحكاية إلى الأبد!
هذا المشهد الدرامي وقصة المسلسل، ذكراني بهروب عيدروس الزبيدي تحت جنح الظلام، وما صاحب هذا الهروب الدرامي من تداعيات وأحداث، فالزبيدي كما هو معروف ظهر في المشهد اليمني الجنوبي مؤخرا، كقائد ميليشيا مسلحة، مدعومة من الإمارات دعما مطلقا وغير مسبوق!
من عجائب هذا المنشق اليمني، أنه وفي تصريح سابق غريب وعجيب، أعلن استعداده للتطبيع مع إسرائيل، في حال كتب لمشروعه النجاح، وعلى رأي إخوتنا المصريين الكرام، في مثلهم الشهير عندما يقولون: (أول القصيدة كفر)، والمعنى أن يبدأ أحدهم حديثه أو مرحلته بمغالطات لا تقبل النقاش معه، فقد بدأ الزبيدي حلمه الشيطاني بوعود التطبيع مع إسرائيل، ظانا أن هذه الخطوة ستتيح له الوصول إلى غاياته، بدعم إماراتي سريع، يتماهى ومواقفها الأخيرة (كحكومة) مع إسرائيل ومشروعها القديم.
هرب الزبيدي تحت جنح الظلام تاركا طبعه وأطماعه بأيدي سدنة التطبيع، وتاركا في الوقت ذاته، انطباعا قويا عند الصهاينة الأقحاح، أنه سيكون منضويا تحت ما يعرف بالاتفاقيات الإبراهيمية المنتظرة، التي ستحيل الشرق الأوسط إلى واحة صهيونية غناء، أراد الزبيدي أن يكون فيها كطائر الدوح، تحلو له الترانيم، لكنه لسوء حظه أصبح كغراب البين، الذي استعجل نهايته السياسية وجعلها على طريقة؛ بيدي لا بيد عمرو!
تراهن الإمارات على الزبيدي ليقلب المعادلة في اليمن، وتناست أن هذه المعادلة وكأي معادلة سياسية تحتاج إلى ثابت يضبطها ويؤكد صحتها، فالزبيدي ليس ذاك الثابت الذي يضمن صحة المعادلة وثباتها.
الزبيدي ومن راهن عليه، يظل في عرف التاريخ زبد المرحلة الذي سيذهب جفاء إلى غير رجعة، وأما الثابت الذي سينفع المنطقة وشعوبها فهو الحضور السعودي؛ ببعديه السياسي والإقليمي، فأي حل في اليمن لا بد وأن ينسجم مع السعودية، ذلك الثابت المستقر والمستدام والمستمر، الذي يعضده التاريخ والجغرافيا، وقبل ذلك المصير المشترك مع اليمن حكومة وشعبا.
الإمارات دخلت مرحلة حرجة من حضورها السياسي في المنطقة، ورهانها الوحيد متعلق بإسرائيل، وهو رهان قاتل قبل أن يكون خاطئا، كون الشعب الإماراتي في سواده الأعظم، يرفض هذا الرهان اليوم وغدا، ويراه انسلاخا من العروبة الممتدة من المحيط إلى الخليج.
أما السعودية فلديها من الإمكانات والمقومات ما يجعلها قادرة على ضبط إيقاع المنطقة في اليمن وفي الجزيرة العربية عموما؛ كونها تملك الشرعية التي تجعلها قادرة على القول والحضور والفعل.
أما الزبيدي ومن زبده وعودا براقة وكاذبة، فسيعلم ولو بعد حين أنه قد دفع به إلى أتون صراع سياسي خاسر، ظاهره زعامة لدولة جنوبية مستقلة، وباطنه بعد حضوري لإسرائيل، تسعى من خلاله للتنفذ في العالم العربي، تحت غطاء إماراتي يسعى لتفكيك المفكك ثم إعادة تجميعه وتأهيله، خدمة لإسرائيل ومخططاتها التوسعية في المنطقة.
alaseery2@