توطين التجارب السريرية في السعودية ضرورة صحية واقتصادية
الخميس - 29 يناير 2026
Thu - 29 Jan 2026
عزيزي القارئ، تخيل أن هناك دواء جديدا يمكن أن يغير حياة عدد كبير من المرضى في السعودية في وقت مبكر، لكنه يظل حبيسا في تقارير ودراسات علمية خارج البلاد، ولا يصل إلى المستشفى الذي تراجع فيه أنت أو أحد أفراد عائلتك. هنا بالضبط يأتي دور التجارب السريرية؛ فهي الجسر الذي ينقل العلاج من الاختبار في المعمل إلى سرير المريض في المستشفى. في السعودية، لم يعد الحديث عن توطين التجارب السريرية مجرد شعار جميل، بل أصبح جزءا أساسيا من رؤية المملكة 2030 ومن الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية، التي تهدف إلى جعل المملكة مركزا إقليميا وعالميا في اللقاحات والعلاجات المبتكرة والطب الدقيق.
عندما تجرى التجارب السريرية داخل المملكة، وبإشراف باحثين سعوديين، وعلى مرضى مواطنين، تكون النتائج أكثر دقة؛ لأنها تأخذ في الاعتبار نمط الحياة، والبيئة، والخصائص الجينية، وانتشار الأمراض في مجتمعنا. توطين التجارب السريرية يعني أيضا المواطن السعودي، قد يحصل على فرصة الوصول إلى علاج جديد مبتكر قبل أن يطرح ويعتمد تجاريا في الأسواق بسنوات، وبشكل منظم وتحت مراقبة طبية دقيقة ولجان أخلاقيات تحمي حقوق المشارك وتحفظ سرية معلوماته. لذلك عزيزي القارئ، لم تعد التجارب السريرية في السعودية «رفاهية علمية»، بل أصبحت مسارا إلزاميا إذا أردنا أن نرى نتائج الأبحاث تتحول إلى أدوية حقيقية في عياداتنا ومستشفياتنا.
من هذا المنطلق عزيزي القارئ، أطلق مركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية (كيمارك) مبادرات مهمة لتقوية هذا الجسر بين البحث والعلاج، هذا المركز يطمح لإشراك عدد كبير من المرضى السعوديين خلال السنوات القادمة في بروتوكولات علاجية متقدمة، وخلق عدد كبير من الوظائف في مجالات مثل البحث السريري، والتمريض، والصيدلة السريرية، وإدارة البيانات. كما يستهدف رفع عدد التجارب السريرية بشكل كبير، حتى تصبح المملكة لاعبا أساسيا في خريطة التجارب السريرية العالمية، لا مجرد متلق لنتائج دراسات أجريت في دول أخرى على شعوب مختلفة عنا.
ولتنظيم هذا الحراك الكبير عزيزي القارئ، تم إنشاء المعهد الوطني لأبحاث الصحة (Saudi NIH) في عام 2023 ليكون المظلة الوطنية التي تنسق البحوث الانتقالية والتجارب السريرية. هذا المعهد يوجه التمويل نحو أولويات صحية تهمك مباشرة، مثل أمراض القلب والسرطان والسكري والأمراض النادرة والوراثية، ويشترط أن تتوافق المشاريع مع رؤية 2030 ومع معايير الجودة الدولية. بهذه الطريقة، لا تبقى الأبحاث جهودا متفرقة في جامعات ومستشفيات متعددة، بل تتحول إلى مسار موحد يخدم الصحة العامة ويترجم النتائج إلى بروتوكولات علاجية وسياسات صحية يمكن تطبيقها في أرض الواقع داخل مستشفيات المملكة.
وتظهر التقارير أن عدد التجارب السريرية النشطة في السعودية تجاوز في السنوات الأخيرة حاجز أربعمئة تجربة، مع سوق يقدر بحوالي مئتي مليون دولار سنويا، وهو رقم مرشح للنمو مع دخول شركات أدوية عالمية وشركات تقنية حيوية ناشئة تستفيد من البيئة التنظيمية المتقدمة في المملكة. هيئة الغذاء والدواء السعودية تبنت مبكرا لوائح متوافقة مع معايير ICH-GCP العالمية، وألزمت الشركات بالإبلاغ عن أي آثار جانبية خطيرة حول العالم، ما يعزز ثقة الشركات الدولية في جودة الرقابة وسلامة المرضى هنا، ويدفعهم لإدخال المواقع السعودية ضمن خططهم العالمية، خاصة في مجالات مثل الأورام وأمراض المناعة والسكري التي تشكل عبئا صحيا واقتصاديا واضحا في المجتمع السعودي.
من الناحية الاقتصادية، يرتبط هذا التوجه مباشرة بالاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية، التي تستهدف خلق آلاف الوظائف المتخصصة ومساهمة كبيرة في الناتج المحلي غير النفطي خلال السنوات المقبلة. هذه الاستراتيجية تبني سلسلة متكاملة تشمل اللقاحات، والتصنيع الحيوي، والطب الجينوم، والعلاجات المتقدمة مثل العلاج الجيني والخلايا المعدلة (CAR-T) ولكي تكتمل هذه السلسلة، لا بد من قدرة وطنية على تصميم وإدارة التجارب السريرية داخل المملكة، حتى لا نعتمد بالكامل على الخارج في اختبار الأدوية التي سنستخدمها نحن في النهاية.
رغم هذا التقدم الكبير، لا يزال أمامنا عمل مهم؛ فهناك حاجة إلى مزيد من تدريب الكوادر على تصميم الدراسات وإحصاءاتها وإدارة البيانات والالتزام بالمعايير الأخلاقية الدولية، بالإضافة إلى نشر الوعي المجتمعي بأهمية المشاركة الطوعية في التجارب السريرية، وشرح الضمانات التي تحمي حقوق المشارك. كما أن معظم التجارب ما زالت مركزة في المدن الكبرى، وهذا يتطلب توسيع الشبكات لتشمل المستشفيات في المناطق الأخرى، حتى لا يظل الوصول للعلاجات المبتكرة حكرا على فئة محدودة من السكان.
في النهاية، يمكنك أن تنظر إلى توطين التجارب السريرية في السعودية على أنه مشروع يجمع بين قلبك وعقلك في آن واحد؛ قلبك لأن الهدف الأول هو مصلحتك أنت كمريض أو كمواطن يريد رعاية صحية أفضل وأكثر عدالة، وعقلك لأنه مشروع سيادي - اقتصادي يبني صناعة دوائية وتقنية حيوية وطنية، تعزز الأمن الصحي وتدعم تنويع الاقتصاد. ومع استمرار الاستثمار في المعهد الوطني لأبحاث الصحة، وكيمارك، ومستشفى الملك فيصل التخصصي، والهيئة العامة للغذاء والدواء السعودي والجامعات والمراكز البحثية، ومع توسع الشراكات الدولية، تبدو المملكة في طريقها لتكون نموذجا لدولة استطاعت تحويل التجربة السريرية من نشاط هامشي محدود إلى ركيزة أساسية من ركائز سيادتها الصحية وحضورها العلمي على مستوى العالم، وكل ذلك ينعكس في النهاية عليك أنت، عزيزي القارئ، وعلى جودة حياتك وحياة من تحب.
nabilalhakamy@