الثقافة، رهان لاقتصاد الغد
الاثنين - 26 يناير 2026
Mon - 26 Jan 2026
لم تعد الثقافة والفنون شأنا نخبويا أو نشاطا مكملا للحياة العامة، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى أحد أسرع القطاعات نموا في الاقتصاد العالمي، ومكونا أساسيا في معادلة التنمية المستدامة. فالاقتصاد الإبداعي اليوم يشمل طيفا واسعا من الصناعات، من الفنون الأدائية والسينما والموسيقى، إلى التصميم والعمارة والمحتوى الرقمي، ويولد فرص عمل نوعية، ويسهم في تعزيز الهوية، وتحفيز الابتكار، وتنويع مصادر الدخل الوطني.
هذا التحول يعكس فهما جديدا لدور الثقافة، ليس بوصفها منتجا رمزيا فقط، بل كقطاع إنتاجي قادر على خلق قيمة مضافة، وتحريك سلاسل اقتصادية متكاملة تبدأ بالفكرة وتنتهي بالسوق، ويعتبر هذا انفتاحا للفرص للأجيال الحالية والقادمة. وتشير التجارب الدولية إلى أن الاستثمار في الصناعات الإبداعية يحقق عوائد اقتصادية ملموسة، إلى جانب أثره الاجتماعي في تعزيز التماسك المجتمعي، ورفع جودة الحياة، وبناء صورة حضارية للدول في محيطها الإقليمي والدولي.
وفي السياق السعودي، يتقاطع نمو القطاع الثقافي مع التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة، حيث أصبح الاقتصاد الإبداعي جزءا من رؤية أوسع لتنويع الاقتصاد وبناء نموذج تنموي قائم على المعرفة. ويبرز هنا تحد جوهري يتمثل في تحويل الزخم الثقافي إلى منظومة مستدامة، قادرة على إنتاج كوادر مؤهلة، وتطوير محتوى محلي تنافسي، وربط الإبداع بسوق العمل دون فقدان قيمته الفنية.
من هذا المنطلق، تتزايد أهمية التعليم المتخصص بوصفه حلقة وصل بين الموهبة والاقتصاد. فغياب البنية التعليمية المؤهلة كان تاريخيا أحد أبرز العوائق أمام نمو الصناعات الثقافية في المنطقة. ومع ظهور مبادرات تعليمية حديثة، من بينها جامعة الرياض للفنون، يتجسد توجه جديد للتعامل مع الثقافة باعتبارها مجالا معرفيا ومهنيا متكاملا، لا مجرد ممارسة فردية.
الجامعة، بوصفها تجربة حديثة، تعكس تحولا في فلسفة تعليم الفنون، من التعليم التقليدي إلى نماذج عابرة للتخصصات، تجمع بين الإبداع، والإدارة، والتقنية، وتربط الطالب بسياق الإنتاج الثقافي الفعلي. كما أن انفتاحها على الشراكات الدولية، وتنوع مساراتها الأكاديمية، يشيران إلى وعي متزايد بأهمية مواءمة التعليم مع متطلبات السوق الثقافي العالمي، دون القطيعة مع الخصوصية المحلية.
مستقبل القطاع الثقافي والإبداعي لا يتوقف على وفرة المواهب فقط، بل على وجود منظومة متكاملة تشمل التعليم والتشريعات والاستثمار والبنية التحتية. ومع تطور هذه المنظومة، تصبح الثقافة رافعة اقتصادية حقيقية، ويصبح الإبداع مسارا مهنيا مستداما، لا استثناء. بذلك، تمثل المبادرات التعليمية المتخصصة خطوة ضرورية في مسار طويل، يعيد تعريف العلاقة بين الثقافة والاقتصاد، ويمنح الخيال مكانه المستحق في مشروع التنمية.