عيد الفايدي

قصي بن كلاب "شخصية عبقرية قبل الإسلام"

الخميس - 22 يناير 2026

Thu - 22 Jan 2026

قُصيّ بن كلاب (بضم القاف) عاش ما بين عامي (400م - 480م)، وهو من سلالة إسماعيل عليه السلام، والجد الرابع للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهو من خيار العرب. وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ قوله: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». ويؤكد هذا الحديث شرف النسب والاصطفاء الإلهي القائم على الخصال الحميدة وكريم الأخلاق، وأن النبي ﷺ خيار من خيار من خيار.

وفيما يتعلق بفقد الاسم، تذكر الروايات أن اسم قصي عند ولادته في مكة كان «زيد». وبعد وفاة والده، تزوجت أمه رجلا من قبيلة قضاعة، وارتحلت معه من إلى منازل قضاعة في وادي القرى، وهو ما يعرف اليوم بوادي العلا، كما أشار إلى ذلك الشيخ حمد الجاسر رحمه الله. وكانت تسكن حوله قبائل قضاعة مثل جهينة وعُذرة وبليّ. هناك بدأت للطفل زيد حياة جديدة، واكتسب اسما جديدا هو «قصي»، لبعده عن والده وديار قبيلته، إذ كان قاصيا عنها، خصوصا في زمن كان فيه الانتماء القبلي كاملا وحاسما. ومع مرور الوقت غلب اسم «قصي» على اسم «زيد»، واشتهر به بين أقرانه، بينما لم يكن معروفا بهذا الاسم في حياة والده.

وعندما بلغ قصي مرحلة النضج والشباب، دخل في خصام مع أقرانه من قضاعة، فقال له أحدهم: «ألا تلحق بقومك؟ أنت لست من هنا، وأنت غريب، لست من قضاعة». ولم يكن قصي يعرف لنفسه أبا غير ربيعة زوج أمه فاطمة، فعاد إليها شاكيا ما قيل له. فقالت له: «يا بني، أنت أكرم نفسا وأبا، أنت ابن كلاب بن مرة، وقومك بمكة عند البيت الحرام». عندها بدأت مرحلة جديدة، واتخذ قصي قراره بالخروج من ديار قضاعة. فنصحته أمه أن ينتظر دخول الشهر الحرام ليخرج مع حاج العرب، فلما دخل الشهر الحرام خرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة.

كانت قبيلة خزاعة هي المسيطرة على مكة في ذلك الوقت، وقد قيل إن سيطرتها استمرت قرابة ثلاثمئة عام، بينما كانت قريش تسكن الشعاب والجبال وأطراف مكة وما حولها. وهنا ظهرت شخصية قصي بوضوح؛ إذ لم يختر العيش في الأطراف، بل اتجه مباشرة إلى مركز النفوذ، فتقدم لخطبة ابنة رئيس قبيلة خزاعة والمسؤول عن مكة. وقد أعجب والدها بنباهته وهمته، وحين عرف نسبه القرشي، تم الزواج. ورزق قصي منها أبناء، وبدأت تتشكل له مكانة جديدة في مكة، بحكم قربه من مركز القرار، وكان هذا الزواج مدخلا استراتيجيا مهد الطريق لانتقال الزعامة من خزاعة إلى قريش.

وعند تأمل أفعاله من زاوية مؤشرات وسمات الشخصية العصرية، يتضح أن قصي بن كلاب كان شخصية عبقرية تمتلك صفات قيادية وحكمة وبعد نظر، وسبقت عصرها بأفعال عملية واضحة. فعندما قيل له «ألا تلحق بقومك؟» لم يتردد، بل ناقش، وتحقق من نسبه، وجمع المعلومات، ثم اتخذ القرار ونفذه. وعند وصوله إلى مكة، لم يرض بموقع هامشي، بل تحرك مباشرة نحو قلب السلطة.

ويؤكد الحديث النبوي الوارد في هذا السياق أن من أبرز أعماله جمع قبائل قريش بعد تفرقهم، ولذلك سُمّوا قريشا من «التقريش» أي الجمع، وهو إنجاز فريد يدل على قدرته على التوحيد والتنظيم، حتى لُقّب بـ«المُجمّع». ولم يتوقف عند إطار القبيلة، بل استعان بقضاعة، ودخل أول مواجهة قتالية مع قبيلة خزاعة، ثم اتجه الطرفان إلى التحكيم، الذي انتهى بتثبيت سيادة قصي بن كلاب على مكة، وخروج خزاعة منها.

وبعد ذلك بدأت مرحلة جديدة، مرحلة التخطيط والتنمية، حيث قسم مكة إلى أربعة أقسام، وهيأها لسكن قبيلة قريش بجوار البيت الحرام لأول مرة، مما عزز مكانة قريش كنواة للسيطرة والإدارة في مكة. كما أسس نظام التشاور من خلال دار الندوة، في دلالة واضحة على البناء المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي. وتولى مهام السقاية والرفادة، بتوفير الماء والطعام، وهو ما عزز مكانته الرفيعة، وأكد دوره المحوري في صعود نفوذ قبيلة قريش كقوة مركزية في الجزيرة العربية قبل الإسلام. وقد أحسنت أمانة الرياض بتسمية شارع يحمل اسم قصي بن كلاب.. ولعله يتم تسمية شارع بمكة المكرمة يحمل اسم "قصي بن كلاب".

ealfaide@