إسلام ما قبل الخلاف تحرير الدين من تأليه المصطلح والجدل
الخميس - 22 يناير 2026
Thu - 22 Jan 2026
لم يكن الإسلام في نشأته الأولى خطابا إشكاليا، ولا مشروعا جدليا، ولا ميدانا لصراع الاصطلاحات وتنازع العبارات؛ بل كان وحيا يتلقى، ونورا يهتدى به، وتسليما يورث الطمأنينة قبل أن ينشئ المدارس، ويقيم الحدود، ويشهر السيوف الفكرية.
كان الإيمان يومئذ أبسط من أن يثقل بالفلسفة، وأعظم من أن يختزل في التعريفات، وأرسخ من أن يحتاج إلى حماية الجدل.
لقد عاش الجيل الأول الإسلام قبل أن يسمى، وفهم التوحيد قبل أن يصاغ، وسلم لله قبل أن تكتب كتب العقائد.
لم تكن الأسئلة معدومة، لكن لم تكن هي المركز.
ولم يكن العقل ملغى، لكنه لم يكن متقدما على الوحي ولا متحكما فيه.
كان الميزان واضحا: قال الله، وقال رسوله ﷺ، ثم فهم عربي سليم، وقلب خاشع، وتسليم لا اضطراب فيه.
غير أن التاريخ لا يبقى على حال واحدة؛ فلما اتسعت الرقعة، وتعددت الثقافات، واشتد الاحتكاك، وبرز المخالف، وارتفع صوت السؤال، انتقل الإسلام - شيئا فشيئا - من مرحلة البيان إلى مرحلة الدفاع، ومن منطق التلقي إلى منطق التقرير، ومن فقه السكوت إلى ثقافة الكلام.
وهنا بدأ الخلاف... لا في أصل الدين، بل في لغة التعبير عنه، ولا في جوهر التوحيد، بل في حدود العقل في خدمته.
وفكرة «إسلام ما قبل الخلاف» لا تدعو إلى إنكار التاريخ، ولا إلى إلغاء التراث، ولا إلى تبسيط ساذج يتجاهل تعقيد الواقع؛ وإنما تسعى إلى استعادة الميزان، والعودة إلى السؤال الأهم: أين انتهى الوحي؟ وأين ابتدأ الاجتهاد؟
وما الذي كان دينا ملزما، وما الذي صار خطابا دفاعيا ظرفيا ثم ألبس - بمرور الزمن - لباس القداسة؟
إن هذه الكلمات تحاول أن تنظر إلى الخلافات الكبرى في تاريخ الفكر الإسلامي - العقدية منها على وجه الخصوص - لا بعين الانتصار، ولا بروح الخصومة، بل بمنهج التحرير والإنصاف: تحرير محل النزاع، ورد كل قول إلى سياقه، ووزنه بميزان الوحي لا بميزان الجماعة، ولا براية المدرسة، ولا بشعار الانتماء.
وقد اخترت باب الصفات للحديث هنا، ذلك الباب الذي ما فتح في الأمة إلا وتبعه اضطراب، ولا ازدحم فيه الكلام إلا وتكاثر فيه التنازع، ولا رفع فيه الاصطلاح إلا وابتعد كثيرون - قصدا أو غير قصد - عن بساطة التسليم التي عاشها الصحابة رضوان الله عليهم.
ومن هذا الموضع، يبدأ هذا الحديث، لا لينشئ قولا جديدا، بل ليذكر بأصل قديم سبق الخلاف، ونجا من الفتنة، وحفظ للدين صفاءه قبل أن تتكاثر حوله الأقوال.
إن باب الصفات لما فتح بالكلام بعد أن أغلق بالوحي، ولما ازدحم بالاصطلاح بعد أن استقر على التسليم، لم يسلم أغلب من خاض فيه تقريرا وردا، نفيا وإثباتا، من أن يزاح عن جادة الكتاب أو يخالف شيئا من هدي السنة، قل ذلك أو كثر. لا لفساد القصد غالبا، ولكن لأن الخوض حيث سكت الوحي مظنة الزلل، والكلام حيث انتهى البيان موضع اضطراب.
وكان الواجب - ولا يزال - أن يجعل ميزان الصفات على ما أقامه النبي ﷺ وأصحابه: إيمانا بما ورد، وتسليما للخبر، وإمساكا عما لم ينطق به نصا ولا فصل به بيانا.
فلا نتكلف ألفاظا لم ينزل بها وحي، ولا نستولد مفاهيم لم يجر بها لسان النبوة، كقولهم: صفة، حقيقة، مجاز، قيام بالذات، حلول، تشبيه، تجسيم، قديمة النوع حادثة الآحاد...ألفاظ ما قالها الله، ولا نطق بها رسوله، ولا تداولها الصحابة وهم أعلم الأمة بالله وأتقاها له.
وإن سكوت النبي ﷺ في هذا الباب تشريع مقصود، لا عجز فيه ولا إهمال، سكوت حكمة لا سكوت نقص، وتوقيف هداية لا فراغ بيان. سكوت يرسم حد السلامة، ويمنع العقل من أن يتقدم خطوة حيث يجب عليه الوقوف. وما نشأ بعدهم من العبارات والمقولات، فليس إلا اجتهادا دفاعيا تاريخيا، نشأ عند اشتداد الخصومة، واشتعال الجدل، وتكاثر المخالف. اجتهاد يفهم في سياقه، ويعذر في ظرفه، لكن لا يحول إلى أصل تعبدي، ولا ينصب ميزان ولاء وبراء، ولا يجعل شرط نجاة أو معيار إيمان. فكيف يكفر بها من لم يقلها؟ وكيف يبدع بها من لم يلتزمها؟ وكيف يربط كمال الإيمان بتصديق عبارات لم ينطق بها النبي ﷺ، ولم يحاسب عليها الصحابة، ثم تجعل سيفا على رقاب الأمة بعد مئات السنين؟
إن بهذا الميزان المختل سقط التكفير، وسقط التبديع، وسقط التخوين، وسقطت شيطنة المخالف.
فالأشعري تكلم حيث سكت النبي، والسلفي قرر حيث لم يقرر، والمتكلم خاض حيث انتهى البيان، والمفوض أمسك حيث تكلم غيره؛ لكنهم جميعا - على تفاوتهم - لم يغيروا أصل الدين، ولم يخرجوا عن أصل التوحيد، وإنما أخطأوا وأصابوا بدرجات متفاوتة، في مسار واحد تجاوز حد السكوت النبوي، وإن كانت درجات القرب من النص والتزام حدوده متفاوتة تفاوتا بينا بينهم. فالأصل في هذا الباب هو الوقوف عند الوارد، والسكوت عما لم يرد، والكلام طارئ اضطراري، يفهم ولا يقدس، ويناقش ولا يُؤلَّه، ويعذر ولا يلزم. وهنا يستقيم الميزان، ويرد العلم إلى حده، ويحفظ للدين صفاؤه، وللوحي هيبته، وللأمة سعة صدورها، دون إفراط يُؤلَّه الاصطلاح، ولا تفريط يفرغ التسليم.
فإن قيل هذه دعوة إلى إلغاء التاريخ والعودة إلى الأمية الفكرية.. قيل إن الكلام لا يدعو إلى إلغاء التاريخ، بل إلى تحرير الدين من التماهي غير الواعي مع التاريخ. فالخلط هنا الاعتقاد أن العودة إلى ما قبل الخلاف عودة زمنية. بل هي عودة معيارية: أي إعادة ضبط الميزان. ولا يفهم من الحديث الدعوة لطرح الأسئلة جانبا، وإلغاء علم العقيدة، بل دعوة لنميز بين ما هو دين ملزم، وما هو كلام دفاعي تاريخي، والفرق جوهري.
ونحن لا نطالب المسلم المعاصر أن يكون "أميا"، بل نطالبه أن لا يحمل إيمانه عبء الأسئلة التي لم يطالبه بها الوحي.
ثم إن السكوت الذي يدافع عنه هنا ليس سكوت العجز، بل: سكوت عما سكت عنه الوحي، مع الكلام الواجب فيما تكلم فيه الوحي، والرد على الشبهة بقدرها لا أكثر.
وهذا عين ما فعله الصحابة أنفسهم: لم يكونوا بلا أسئلة، لكنهم لم يجعلوا السؤال مركز الدين.
فالفرق بين: السكوت الحكيم التابع للشرع والصمت العاجز هو وجود ميزان يحسن التفريق بين موضع البيان وموضع التوقف.
فإن قال قائل: نحن لم نتكلم ابتداء، بل قررنا ما دلت عليه النصوص.. قيل له: هب أن تقريرك أقرب إلى النص من غيرك، فهل تقريرك الاصطلاحي هو الوحي نفسه؟ ومن أين لك أن تجعله يتحول إلى معيار ولاء وبراء أو حد إيمان تبدع عليه غيرك وتفسقه؟
ختاما: ليس في الحديث ما يدعو إلى إسكات العقل، ولا إلى ترك الحجة، بل إلى عدم تعميم خطاب الجدل على أنه هو الدين نفسه.
فالمسلمون يملكون خطابا إيمانيا تعبديا: يخاطب المؤمن، وخطابا حجاجيا عقليا: يخاطب المشكك.
والإشكال التاريخي لم يكن في الرد، بل في: تحويل الرد إلى أصل، والوسيلة إلى غاية، والخطاب الدفاعي إلى هوية عقدية. فالملحد يخاطب بالحجة، لكن لا يعاد تعريف الإيمان لأجل اعتراضه؛ وإلا صار الدين: تابعا لأسئلة المشككين، لا هاديا لهم.
﴿قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ۚ هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ [الأعراف: 203]. ﴿إنما أتبع ما يوحى إلي﴾ هذا هو حد الدين، ومنتهاه، وسقف الإلزام لا اصطلاح زائد، ولا تقرير مُؤلَّه، ولا كلام بعد الوحي.
﴿هذا بصائر من ربكم﴾ الوحي بذاته بصيرة، لا يحتاج إلى فلسفة ليكون هاديا، ولا إلى منازعات اصطلاحية ليصير حقا.
﴿وهدى ورحمة﴾ الدين هداية ورحمة، لا امتحان عبارات، ولا فرز طوائف، ولا تحويل الخطاب الدفاعي إلى هوية عقدية صلبة.
إن حد الدين حيث انتهى الوحي، وسقف الإلزام حيث وقف البيان النبوي، وما كان بعد ذلك فبيان يفهم، واجتهاد يناقش، لا وحي يقدس، ولا ميزان نجاة ينصب.
إن الله أعظم من أن تحيط به تعريفات المتكلمين، أو تستوعبه تقريرات محققي السلفيين، وإن الإيمان أوسع من أن تضيق به صدور المختلفين.
كان الإيمان يومئذ أبسط من أن يثقل بالفلسفة، وأعظم من أن يختزل في التعريفات، وأرسخ من أن يحتاج إلى حماية الجدل.
لقد عاش الجيل الأول الإسلام قبل أن يسمى، وفهم التوحيد قبل أن يصاغ، وسلم لله قبل أن تكتب كتب العقائد.
لم تكن الأسئلة معدومة، لكن لم تكن هي المركز.
ولم يكن العقل ملغى، لكنه لم يكن متقدما على الوحي ولا متحكما فيه.
كان الميزان واضحا: قال الله، وقال رسوله ﷺ، ثم فهم عربي سليم، وقلب خاشع، وتسليم لا اضطراب فيه.
غير أن التاريخ لا يبقى على حال واحدة؛ فلما اتسعت الرقعة، وتعددت الثقافات، واشتد الاحتكاك، وبرز المخالف، وارتفع صوت السؤال، انتقل الإسلام - شيئا فشيئا - من مرحلة البيان إلى مرحلة الدفاع، ومن منطق التلقي إلى منطق التقرير، ومن فقه السكوت إلى ثقافة الكلام.
وهنا بدأ الخلاف... لا في أصل الدين، بل في لغة التعبير عنه، ولا في جوهر التوحيد، بل في حدود العقل في خدمته.
وفكرة «إسلام ما قبل الخلاف» لا تدعو إلى إنكار التاريخ، ولا إلى إلغاء التراث، ولا إلى تبسيط ساذج يتجاهل تعقيد الواقع؛ وإنما تسعى إلى استعادة الميزان، والعودة إلى السؤال الأهم: أين انتهى الوحي؟ وأين ابتدأ الاجتهاد؟
وما الذي كان دينا ملزما، وما الذي صار خطابا دفاعيا ظرفيا ثم ألبس - بمرور الزمن - لباس القداسة؟
إن هذه الكلمات تحاول أن تنظر إلى الخلافات الكبرى في تاريخ الفكر الإسلامي - العقدية منها على وجه الخصوص - لا بعين الانتصار، ولا بروح الخصومة، بل بمنهج التحرير والإنصاف: تحرير محل النزاع، ورد كل قول إلى سياقه، ووزنه بميزان الوحي لا بميزان الجماعة، ولا براية المدرسة، ولا بشعار الانتماء.
وقد اخترت باب الصفات للحديث هنا، ذلك الباب الذي ما فتح في الأمة إلا وتبعه اضطراب، ولا ازدحم فيه الكلام إلا وتكاثر فيه التنازع، ولا رفع فيه الاصطلاح إلا وابتعد كثيرون - قصدا أو غير قصد - عن بساطة التسليم التي عاشها الصحابة رضوان الله عليهم.
ومن هذا الموضع، يبدأ هذا الحديث، لا لينشئ قولا جديدا، بل ليذكر بأصل قديم سبق الخلاف، ونجا من الفتنة، وحفظ للدين صفاءه قبل أن تتكاثر حوله الأقوال.
إن باب الصفات لما فتح بالكلام بعد أن أغلق بالوحي، ولما ازدحم بالاصطلاح بعد أن استقر على التسليم، لم يسلم أغلب من خاض فيه تقريرا وردا، نفيا وإثباتا، من أن يزاح عن جادة الكتاب أو يخالف شيئا من هدي السنة، قل ذلك أو كثر. لا لفساد القصد غالبا، ولكن لأن الخوض حيث سكت الوحي مظنة الزلل، والكلام حيث انتهى البيان موضع اضطراب.
وكان الواجب - ولا يزال - أن يجعل ميزان الصفات على ما أقامه النبي ﷺ وأصحابه: إيمانا بما ورد، وتسليما للخبر، وإمساكا عما لم ينطق به نصا ولا فصل به بيانا.
فلا نتكلف ألفاظا لم ينزل بها وحي، ولا نستولد مفاهيم لم يجر بها لسان النبوة، كقولهم: صفة، حقيقة، مجاز، قيام بالذات، حلول، تشبيه، تجسيم، قديمة النوع حادثة الآحاد...ألفاظ ما قالها الله، ولا نطق بها رسوله، ولا تداولها الصحابة وهم أعلم الأمة بالله وأتقاها له.
وإن سكوت النبي ﷺ في هذا الباب تشريع مقصود، لا عجز فيه ولا إهمال، سكوت حكمة لا سكوت نقص، وتوقيف هداية لا فراغ بيان. سكوت يرسم حد السلامة، ويمنع العقل من أن يتقدم خطوة حيث يجب عليه الوقوف. وما نشأ بعدهم من العبارات والمقولات، فليس إلا اجتهادا دفاعيا تاريخيا، نشأ عند اشتداد الخصومة، واشتعال الجدل، وتكاثر المخالف. اجتهاد يفهم في سياقه، ويعذر في ظرفه، لكن لا يحول إلى أصل تعبدي، ولا ينصب ميزان ولاء وبراء، ولا يجعل شرط نجاة أو معيار إيمان. فكيف يكفر بها من لم يقلها؟ وكيف يبدع بها من لم يلتزمها؟ وكيف يربط كمال الإيمان بتصديق عبارات لم ينطق بها النبي ﷺ، ولم يحاسب عليها الصحابة، ثم تجعل سيفا على رقاب الأمة بعد مئات السنين؟
إن بهذا الميزان المختل سقط التكفير، وسقط التبديع، وسقط التخوين، وسقطت شيطنة المخالف.
فالأشعري تكلم حيث سكت النبي، والسلفي قرر حيث لم يقرر، والمتكلم خاض حيث انتهى البيان، والمفوض أمسك حيث تكلم غيره؛ لكنهم جميعا - على تفاوتهم - لم يغيروا أصل الدين، ولم يخرجوا عن أصل التوحيد، وإنما أخطأوا وأصابوا بدرجات متفاوتة، في مسار واحد تجاوز حد السكوت النبوي، وإن كانت درجات القرب من النص والتزام حدوده متفاوتة تفاوتا بينا بينهم. فالأصل في هذا الباب هو الوقوف عند الوارد، والسكوت عما لم يرد، والكلام طارئ اضطراري، يفهم ولا يقدس، ويناقش ولا يُؤلَّه، ويعذر ولا يلزم. وهنا يستقيم الميزان، ويرد العلم إلى حده، ويحفظ للدين صفاؤه، وللوحي هيبته، وللأمة سعة صدورها، دون إفراط يُؤلَّه الاصطلاح، ولا تفريط يفرغ التسليم.
فإن قيل هذه دعوة إلى إلغاء التاريخ والعودة إلى الأمية الفكرية.. قيل إن الكلام لا يدعو إلى إلغاء التاريخ، بل إلى تحرير الدين من التماهي غير الواعي مع التاريخ. فالخلط هنا الاعتقاد أن العودة إلى ما قبل الخلاف عودة زمنية. بل هي عودة معيارية: أي إعادة ضبط الميزان. ولا يفهم من الحديث الدعوة لطرح الأسئلة جانبا، وإلغاء علم العقيدة، بل دعوة لنميز بين ما هو دين ملزم، وما هو كلام دفاعي تاريخي، والفرق جوهري.
ونحن لا نطالب المسلم المعاصر أن يكون "أميا"، بل نطالبه أن لا يحمل إيمانه عبء الأسئلة التي لم يطالبه بها الوحي.
ثم إن السكوت الذي يدافع عنه هنا ليس سكوت العجز، بل: سكوت عما سكت عنه الوحي، مع الكلام الواجب فيما تكلم فيه الوحي، والرد على الشبهة بقدرها لا أكثر.
وهذا عين ما فعله الصحابة أنفسهم: لم يكونوا بلا أسئلة، لكنهم لم يجعلوا السؤال مركز الدين.
فالفرق بين: السكوت الحكيم التابع للشرع والصمت العاجز هو وجود ميزان يحسن التفريق بين موضع البيان وموضع التوقف.
فإن قال قائل: نحن لم نتكلم ابتداء، بل قررنا ما دلت عليه النصوص.. قيل له: هب أن تقريرك أقرب إلى النص من غيرك، فهل تقريرك الاصطلاحي هو الوحي نفسه؟ ومن أين لك أن تجعله يتحول إلى معيار ولاء وبراء أو حد إيمان تبدع عليه غيرك وتفسقه؟
ختاما: ليس في الحديث ما يدعو إلى إسكات العقل، ولا إلى ترك الحجة، بل إلى عدم تعميم خطاب الجدل على أنه هو الدين نفسه.
فالمسلمون يملكون خطابا إيمانيا تعبديا: يخاطب المؤمن، وخطابا حجاجيا عقليا: يخاطب المشكك.
والإشكال التاريخي لم يكن في الرد، بل في: تحويل الرد إلى أصل، والوسيلة إلى غاية، والخطاب الدفاعي إلى هوية عقدية. فالملحد يخاطب بالحجة، لكن لا يعاد تعريف الإيمان لأجل اعتراضه؛ وإلا صار الدين: تابعا لأسئلة المشككين، لا هاديا لهم.
﴿قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ۚ هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ [الأعراف: 203]. ﴿إنما أتبع ما يوحى إلي﴾ هذا هو حد الدين، ومنتهاه، وسقف الإلزام لا اصطلاح زائد، ولا تقرير مُؤلَّه، ولا كلام بعد الوحي.
﴿هذا بصائر من ربكم﴾ الوحي بذاته بصيرة، لا يحتاج إلى فلسفة ليكون هاديا، ولا إلى منازعات اصطلاحية ليصير حقا.
﴿وهدى ورحمة﴾ الدين هداية ورحمة، لا امتحان عبارات، ولا فرز طوائف، ولا تحويل الخطاب الدفاعي إلى هوية عقدية صلبة.
إن حد الدين حيث انتهى الوحي، وسقف الإلزام حيث وقف البيان النبوي، وما كان بعد ذلك فبيان يفهم، واجتهاد يناقش، لا وحي يقدس، ولا ميزان نجاة ينصب.
إن الله أعظم من أن تحيط به تعريفات المتكلمين، أو تستوعبه تقريرات محققي السلفيين، وإن الإيمان أوسع من أن تضيق به صدور المختلفين.