هل يحكم «المؤثرون» اقتصاد المستقبل؟
الاثنين - 19 يناير 2026
Mon - 19 Jan 2026
هل يمكن لثماني كلمات عابرة، كتبت في لحظة، أن تتبخر معها 1.3 مليار دولار من قيمة شركة عالمية في غضون ساعات؟ في زمن «اقتصاد الانتباه» أو Attention Economy، لم يعد انهيار الأسواق يتطلب أزمات سياسية كبرى أو كوارث طبيعية، بل يكفي أن يلمس إصبع أحد المشاهير شاشة هاتفه ليحدث زلزالا ماليا يتجاوز تأثيره تقارير المحللين الكبار. هكذا بدأت القصة في فبراير عام 2018، حين أطلقت كايلي جينر، إحدى أكثر الشخصيات تأثيرا في العالم الرقمي، تغريدة بسيطة تساءلت فيها «هل هناك أي شخص آخر لم يعد يفتح سناب شات؟ أم أنني أنا فقط.. عذرا، هذا محزن».
لم تكن تلك العبارة تحليلا فنيا، لكنها كانت بمثابة «شهادة وفاة» لجاذبية التطبيق لدى جيل يمثل عموده الفقري. وخلال ساعات، هوى سهم شركة (Snap Inc) بنسبة تقارب 6%، ليفقد المستثمرون مليارات الدولارات في يوم واحد، لا لخلل في ميزانية الشركة، بل لأن «السردية» قد تغيرت؛ فالسوق قرأ التغريدة كإشارة فقدان ثقة من القوة الضاربة التي تحرك الاستهلاك. وتكشف هذه الواقعة حقيقة مقلقة: أن «السمعة الرقمية» باتت اليوم قوة اقتصادية خشنة قادرة على كسر القوائم المالية الراسخة.
لكن الأمر لا يقتصر على الكلمات؛ فأحيانا تكون «الإيماءة» الواحدة كافية لهز أركان الشركات العابرة للقارات. ففي مؤتمر صحفي خلال بطولة أمم أوروبا 2020، قام أسطورة كرة القدم كريستيانو رونالدو بإزاحة زجاجتي مشروبات غازية من أمامه، واضعا زجاجة ماء بدلا منهما مع عبارة «اشربوا الماء». في تلك اللحظة، انخفضت القيمة السوقية لشركة المشروب بنحو 4 مليارات دولار. ورغم أن المحللين حاولوا ربط الأمر بتوزيعات الأرباح، إلا أن العالم لم ير سوى «سلطة النجم» وهي تتفوق على ميزانيات الدعاية التي تنفق فيها المليارات سنويا.
هذا النفوذ غير المسبوق امتد ليشمل عصب النظام المالي العالمي مع «أخطبوط» الأسواق إيلون ماسك. لقد حول ماسك حسابه الشخصي إلى ما يشبه غرفة تداول مفتوحة، حيث أصبحت تغريداته عن «تسلا» أو العملات الرقمية مثل «بيتكوين» و«دوجكوين» قادرة على رفع أسهم إلى عنان السماء أو إلقائها في الهاوية خلال دقائق. وفي إحدى المرات، كلفه تصريح غير منضبط عن خصخصة شركة تسلا غرامات باهظة من هيئة الأوراق المالية الأمريكية، وأثار فوضى عارمة جعلت المتداولين يلهثون خلف شاشات هواتفهم لمواكبة مزاج «الملياردير المغرد» الذي بات يربك حسابات أعرق المصارف.
أما الوجه الأشرس لهذا الحكم المستقبلي، فيظهر في الصين عبر ما يسمى «اقتصاد البث المباشر». هناك، استطاع مؤثر واحد مثل «أوستن لي» (المعروف بملك أحمر الشفاه) بيع بضاعة بقيمة 1.7 مليار دولار في يوم واحد فقط خلال مهرجان تسوق. هذا الرقم يتجاوز مبيعات مراكز تجارية كبرى في دول كاملة، مما يضعنا أمام واقع جديد: المؤثر ليس مجرد واجهة إعلانية، بل هو «قناة توزيع» و«بنك مركزي للثقة» يقرر من يربح ومن يخسر.
إننا نعيش اليوم مفارقة تاريخية؛ فالقوة المالية لم تعد حكرا على الخبراء الذين قضوا عقودا في دراسة المنحنيات، بل انتقلت لمن يملك «الجمهور». المشهور اليوم قد لا يفقه في أصول الاقتصاد، لكنه يمتلك ما هو أخطر: القدرة على تحريك المزاج العام. ومع غياب التشريعات الواضحة، يتحول هذا النفوذ إلى سلاح غير منضبط يهدد استقرار الأسواق. الكارثة الحقيقية ليست في خسارة شركة أو انهيار سهم، بل في «تطبيع الفوضى»؛ حين يعتاد الاقتصاد العالمي على الارتعاش مع كل إشعار يصل إلى الهواتف، وتتحول الاستثمارات إلى مجرد ردود فعل انفعالية، ليصبح المستقبل المالي رهينة في يد شهرة لم تخلق أصلا لإدارة المال، بل لصناعة الأضواء.
ختاما، تفسير لمعنى «اقتصاد الانتباه»، هو مصطلح علمي دارج في أواسط الاقتصاديات الحديثة، ويقصد أن من ينجح في جذب انتباه الناس يمتلك القدرة على التأثير في قراراتهم وسلوكهم، سواء في الشراء أو الاستثمار أو تشكيل الرأي العام. في هذا الاقتصاد، لا يفوز دائما الأدق أو الأصح، بل الأكثر لفتا للانتباه.
ALSHEDDI@