السعودية وتقزيم الصعاليك وإنقاذ اليمن
الأحد - 18 يناير 2026
Sun - 18 Jan 2026
اعتادت البناء والتعمير. ترفض التخريب. تبحث عن أمان المنطقة. لا تسير في فلكها منفردة. تأثيرها قوي ودون أدلة. ويدها ممدودة للإنسان قبل الحكومات والدول.
وضعت السعودية أهدافها. لا تراجع عنها ولا مناص منها. لا تبحث عن نفوذ، بل تسعى للفصل بين السياسة، وعربدة سماسرة الحروب، في منطقة أنهكتها النزاعات وصور الافتراس الميليشياوي.
يحمل صانع القرار السعودي في جعبته خطة واضحة. ما عنوانها؟ نهاية عصر اللا نظام، وإعادة الدول القائمة، كمرجعيات شرعية للشعوب.
يرى السعوديون أن قواعد ما دون الدولة انتهى وقتها. القبلية والطائفية، والفئوية، وأنماط تفكيك الأوطان، وتدوير الخراب، أفكار يجب أن تزول. وفي المقابل، فهم الجميع في المنطقة برمتها، الدرس مسبقا، وأيقنوا أن من يحاول عرقلة تلك المنهجية؛ يجب أن يأخذ جانبا من التاريخ.
سئمت المنطقة من مشاريع الزعامات الدكتاتورية الدموية. الأنماط التي تقوم على ثقافة المرتزقة، وشيطنة الدول ومؤسساتها، وتمجيد الشبكات العابرة للقارات، من قتلة ومأجورين، لم تعد مناسبة في الظروف التاريخية التي يعيشها الإقليم.
يصعب على الرياض تقبل زعامتها وثقلها الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وفعاليتها الدولية؛ في إقليم مضطرب، ولا يزال يعيش على الرجعية والقتل وتشريد الشعوب.
ذلك كان السبب الذي دفع المملكة لقول كلمتها الفصل فيما يتعلق بالملف اليمني. الشرعية أولا، والدولة ووحدة الأراضي، والإنسان اليمني.
ورغم أن هناك من يسعى للعب على وتر موازين القوى وإذكاء الصراعات الاستراتيجية في المنطقة، كانت اليد السعودية تصون اليمن.
دعت أطرافا يمنية للجلوس على طاولة الحوار في عاصمتها قبل أيام، بمن فيهم أبناء الجنوب الشرفاء. وخرج وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان معلنا دعما سعوديا لليمن بحوالي ملياري ريال.
السؤال: ما أهداف ذلك الدعم؟ تعزيز أمن واستقرار اليمن، ونماء الشعب اليمني. وذلك يمكن استنباطه من خلال النظر إلى أن تلك الأموال، ستتجه لتحسين الخدمات في المحافظات اليمنية.
الدعم السعودي للشعب اليمني شمل مشاريع في الصحة والطاقة والتعليم. وبمناسبة الحديث عن هذا الجانب، يجب التذكير، بأن أكثر من 240 مشروعا سعوديا قائما في اليمن، يشرف عليها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وهو برنامج فريد من نوعه، اعتمدته الرياض عام 2018.
هل توقفت المملكة عند ذلك؟ لا. فقد قررت صرف مرتبات الشهرين الماضيين، لجميع موظفي الدولة في اليمن. بالإضافة إلى مرتبات العاملين في القطاعات العسكرية، والأمنية، المرتبطة باللجنة العسكرية العليا من قبل التحالف الذي تقوده.
لقد عانى العاملون في القطاعات العسكرية اليمنية من نهب أموالهم من قبل الهارب عيدروس الزبيدي، الذي أوهم الجميع بزعامة مصطنعة، هدف من خلالها إلى تدمير البلاد وخلق فتنة كبرى بين العباد، واستغل أموالهم لتغذية مخططاته التخريبية وصب الزيت على النار؛ تحت ذريعة الرغبة في الانفصال، وفي الحقيقة، فإن ذلك كان تنفيذا لأجندات خارجية، لا تريد باليمن واليمنيين خيرا.
السؤال الآخر: ماذا تريد السعودية من اليمن؟ الجواب بكل اختصار: مواجهة هندسة التمزق. كيف؟ برفضها فكرة الانفصال بالقوة في اليمن. فقد وقفت الرياض أمام ذلك، وأجهضت مخططات محكمة تمت حياكتها منذ أعوام لتفكيك اليمن.
وقبل ذلك، فقد خاضت المملكة حربا مع جماعة الحوثي المارقة، التي انقلبت على الدولة، من أجل إعادة الشرعية. وهذا على أساس محاربة الفوضى، وتسيد مفهوم الدولة، لا تصدر المشهد وقيادة البلاد، من جماعات في غالبها متزعمة من قبل مأجورين ومرتزقة، يقومون بأدوار وظيفية لتحقيق مصالح خارجية لا وطنية.
وبطبيعة الحال، إن دعم الحكومة الشرعية اليمنية الذي تقوم به المملكة، يؤدي للحفاظ على مؤسسات الدولة، ومنع تفككها. لماذا؟ لأن انهيار الدولة قد يحولها إلى مناخ مناسب لانتشار الجماعات المتطرفة، وجماعات تهريب السلاح. ناهيك عن العلاقات التاريخية بين البلدين، التي فرضت مع الوقت على السعودية، تحمل جزء من مسؤوليتها الأخلاقية والإنسانية تجاه اليمن.
أستطيع القول إن الرياض لا تفكر بمواجهة أي نفوذ إقليمي في اليمن. ولا تبحث عن إرضاء طرف يمني على حساب آخر. ولا تميز فئة يمنية ضد أخرى. كل ما في الأمر أنها ترفض الفوضى؛ وتفكك الدول، وتدعم وحدة الشعوب، وتقف مع الشرعيات في الدول المنهارة.
إن المواقف السعودية الصارمة ليست مواقف عابرة، أو للبحث عن مكاسب، أو للسعي للخصومة مع أحد. هذا ليس واردا في أجندة المملكة ومنهجيتها السياسية.
فمنذ التاريخ يعرف عنها دعم الوحدة في كل جهة من الأرض. ولا تفضل المنطلقات الميليشياوية. ولا العسكرة. ولا النزعات الانفصالية. وفي الوقت ذاته ترفض أشكال تصفية الحسابات، والصراعات الاستراتيجية.
لدى الرياض مشروع تنموي كبير. تريد له أن يتجاوز نطاقه ليعم المنطقة. وذلك لن يتحقق، ولا يمكن حدوثه في منطقة ملتهبة، تعاني من تنامي وجود الخارجين عن القانون، والمتعطشين للدماء.
يؤمن السعوديون بأن الشرعية المكسورة، أينما وجدت، لا بد إلا أن تكون مطية للأوغاد. وأن الدول الناقصة وكرا للعصابات، والقتلة المأجورين.
لذلك سارعت بلادهم دون تردد؛ لتقزيم الصعاليك.. وإنقاذ اليمن.
الأكثر قراءة
جيل الشاشات (Z & Alpha): لماذا لم تعد الورقة وحدها تكفي؟
كابوس الإشارة الضوئية الصفراء
إعادة رسم البوصلة السعودية سياسيا وأمنيا
ثلاثية القوة والضعف والحكمة: قراءة في فلسفة البقاء
الدور السعودي يتبنى إدارة الأزمة وبناء الجنوب اليمني
طريق الحج الشامي عبر العلا، خيبر والمدينة المنورة (درب زبيدة الخامس/2)