التبني ورعاية الأيتام في السعودية.. بين التحريم الشرعي والتنظيم القانوني
الخميس - 08 يناير 2026
Thu - 08 Jan 2026
كثيرا ما تثار النقاشات في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي حول مسألة حرمة التبني في السعودية، وغالبا ما تنطلق هذه التساؤلات من دوافع إنسانية صادقة، إلا أنها في كثير من الأحيان تبنى على خلط شائع بين مفهومي التبني ورعاية الأيتام. هذا الخلط لا يقتصر أثره على الجانب الفكري فحسب، بل قد يمتد إلى ممارسات خاطئة تخالف الأحكام الشرعية والأنظمة النظامية.
ومن هنا تبرز أهمية التوعية القانونية والشرعية، خصوصا في مجتمع يستمد منظومته التشريعية من الشريعة الإسلامية، حيث لا تناقش القضايا الحساسة بمنطق «مع أو ضد»، بل ضمن إطار أعمق يتصل بالهوية والانتماء وحدود المسؤولية الشرعية والقانونية.
في هذه المسألة وجدت المملكة نفسها أمام ضرورة إيجاد موازنة بين الحفاظ على المبادئ الشرعية التي تحظر التبني، وبين تنظيم رعاية الأيتام بطريقة تتماشى مع احتياجات المجتمع العصري.
التحريم الشرعي لم يأت موجها ضد احتضان الطفل أو رعايته أو الإحسان إليه، بل انصب تحديدا على مبدأ تغيير النسب وإلحاق الطفل بغير أبيه، وما يترتب على ذلك من آثار جسيمة تمس الهوية والميراث والمحرمية. فقد حرم الإسلام صراحة نسبة الطفل إلى غير والده الحقيقي، قال تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ [الأحزاب: 5]. وهو تحريم يرتبط ارتباطا وثيقا بحفظ الأنساب، أحد المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية.
وقد التزمت المملكة العربية السعودية بهذا الحكم التزاما كاملا، انطلاقا من حرصها على صيانة الأنساب ومنع العبث بها، إدراكا منها بأن الإخلال بهذا الأصل لا ينعكس أثره على فرد واحد، بل يهدد التوازن الأسري والاستقرار المجتمعي على نطاق أوسع.
لكن في المقابل، أقرت الأنظمة السعودية كفالة اليتيم باعتبارها من أعظم القربات وأجل صور التكافل الاجتماعي، فهي رعاية شاملة للطفل من دون المساس باسمه أو نسبه الحقيقي. وجاء التنظيم القانوني السعودي ليترجم هذا المفهوم إلى أطر نظامية واضحة، تضبط العلاقة بين الطفل والأسرة الكافلة، وتحفظ حقوق جميع الأطراف.
ويعد نظام الكفالة أداة قانونية مرنة تمكن المجتمع من أداء دوره الإنساني دون الإخلال بالثوابت الشرعية، إذ تفرض الكفالة التزاما قانونيا على الأسرة تجاه الطفل، وتمنحه مظلة حماية في حال تعرضه لأي نوع من الإهمال أو الأذى، بما يحقق له الأمان الاجتماعي والاستقرار النفسي.
غير أن الخلط بين التبني والكفالة لا يزال قائما لدى بعض أفراد المجتمع، وهو خلط قد يقود إلى مخالفات نظامية جسيمة. فالكفالة لا تنشئ نسبا، ولا يترتب عليها حق الإرث تلقائيا، إلا في حدود الوصية الشرعية التي لا تتجاوز ثلث التركة، كما لا تثبت بها المحرمية إلا في حال تحقق الرضاع بشروطه الشرعية المعروفة.
وتختلف الرعاية جوهريا عن التبني، إذ تقوم على توفير المسكن والنفقة والتعليم والرعاية الصحية للطفل حتى يصبح قادرا على الاعتماد على نفسه، مع الحفاظ الكامل على هويته ونسبه، ودون ترتيب آثار البنوة الشرعية.
وفي هذا الإطار، حرصت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية على تنظيم برامج الاحتضان، التي تتيح للأسر المؤهلة رعاية الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية وفق ضوابط دقيقة، تراعي مصلحة الطفل الفضلى، وتحفظ حقوقه النفسية والاجتماعية، مع رقابة مستمرة من الجهات المختصة. وقد حددت الوزارة شروطا واضحة للأسرة الحاضنة، تركز على الاستقرار الأسري والكفاءة الأخلاقية، بما يضمن نشأة الطفل في بيئة آمنة ومتوازنة.
كما تعمل الوزارة بالتعاون مع الجمعيات الخيرية المعتمدة على الإشراف على دور الرعاية، التي تقدم خدمات متكاملة تشمل الإيواء والتعليم والرعاية الصحية، مع تسجيل الأطفال في سجلات قانونية تحفظ حقوقهم المستقبلية، وتمكنهم من الاستفادة من الفرص التعليمية والمنح الدراسية.
ومن خلال نظام الكفالة، استطاعت المملكة أن تقدم نموذجا متوازنا يجمع بين الالتزام بالشريعة والاستجابة للاحتياجات الإنسانية. ومع تطور المجتمع السعودي، تبرز الحاجة إلى تعزيز هذه المبادرات، وتوسيع نطاق الدعم الاجتماعي والنفسي، لضمان مستقبل أكثر استقرارا لهؤلاء الأطفال.
إن التجربة السعودية في هذا المجال تعكس فهما عميقا لمقاصد الشريعة الإسلامية، وتؤكد أن حماية الطفل لا تتطلب تجاوز الأحكام، بل يمكن تحقيقها من خلال تنظيم قانوني واع ومتزن، حيث تتكامل الرحمة مع العدالة، وتصان الكرامة الإنسانية دون المساس بالثوابت الشرعية.
law_mds@