ياسر عمر سندي

ثقافة الاصطفاف وعقلية الالتفاف

الخميس - 08 يناير 2026

Thu - 08 Jan 2026


حين يسبقنا ديننا العظيم بفرض النظام والتنظيم ويتأخر البعض عنه باتباع سلوك الالتفاف أو ما يسمى باللف والدوران؛ من هنا نكتشف مستوى الوعي والانضباط والتحضر المجتمعي.

يقدم لنا الإسلام نموذجا عمليا متكررا للاصطفاف المنضبط، يتمثل في الوقوف للصلاة. صفوفا متراصة، متكافئة، لا يتقدم فيها أحد على آخر، ولا مكان فيها للفوضى أو العشوائية أن تحضر. قال عليه الصلاة والسلام «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة».

لقد سبق الإسلام كل الفلسفات الحديثة حين ربط النظام بالعبادة، وجعل الانضباط سلوكا تعبديا لا ينفصل عن المعنى، ولا ينحصر في الشكل.

قال الله تعالى «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي» في هذا الشاهد القرآني يعلمنا الإسلام كيفية الاستحضار الانضباطي بالانتهاء عن التجاوزات المجتمعية الضارة بالغير، ومن فعلها فإنه يعيش حالة من الانفصال والاضطراب الداخلي، والاختلال في الوعي الجمعي بأن الصلاة مجرد عادة وليست عبادة.

الصلاة أعظم معلم وهي اعتراف ضمني بأن العدالة لا يتم بناؤها على الحيلة، بل على المساواة. وكل محاولة لتجاوز الصف، أو كسر النظام، أو التحايل على الدور، هي في جوهرها مصادرة لحق الآخرين.

تجد البعض قد لبس ثوب التذاكي الملتف بالتعدي المصاحب للفهلوة والتحاذق بدعوى الاستعجال، وفي حقيقة الأمر هو تجاوز صريح على حقوق الآخرين.

لا يمكن فصل هذا الخلل السلوكي عن جذوره التربوية. فاحترام الدور لا يتم اكتسابه فجأة، بل يزرع منذ الطفولة داخل المنزل. حين يرى الطفل والديه يلتزمان بالنظام، ينتظران دورهما، ويحترمان الآخرين، يتشرب هذا السلوك تلقائيا من كونه ممارسة دخيلة حتى يصبح عادة أصيلة؛ أما حين يغيب التلقين، وتغيب النمذجة الوالدية، ويكافأ الالتفاف على النظام بدل محاسبته، فإننا ننتج أجيالا ترى الفوضى مهارة، والتجاوز حقا، والانضباط ضعفا.

من الملاحظ أن بعض من يمارسون العشوائية في مجتمعاتنا فقط، يتحولون إلى أكثر الناس التزاما في الدول التي تطبق الغرامات الحازمة وتفرض العقوبات الصارمة. وهذا يؤكد أن المشكلة ليست في القدرة على الانضباط، بل في غياب القناعة الداخلية به.

الانضباط السلوكي كله خير؛ فيه حفظ للكرامة، وتقليل للاحتكاك، ونشر للعدالة، وتعزيز للثقة ونحن كمسلمين، أولى الناس به إذا عقلنا أن ما نمارسه في صلاتنا ليس مجرد وقوف، بل مدرسة يومية في النظام، واحترام الدور، وتقديم الآخر.

وفي هذا السياق، يضعنا الإسلام أمام مبدأ أخلاقي صارم حين يقول سيد الأخلاق «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» فمن يتجاوز الدور، هل يرضى أن يتجاوز حقه؟ ومن يبرر الفوضى لنفسه، هل يقبلها إذا وقعت عليه؟

هنا ينبغي أن نتيقن بأن الانضباط ليس قيدا على الحرية، بل شرط لنضجها. واحترام الدور ليس تنازلا عن الحق، بل تأكيد له.. فهل نحن منتهون؟

Yos123Omar@