عبدالله فدعق

اصحى يا نايم.. وحد الدايم

الأحد - 15 فبراير 2026

Sun - 15 Feb 2026



أكتب مقالي وشهر رمضان المبارك على الأبواب، اللهم بلعنا حسن صيامه وصدق قيامه؛ لا بوصفه مناسبة نجمل بها العبارات، بل بوصفه اختبارا يتكرر في التقويم، ولا يتكرر في العمر بالضرورة؛ فبين من يدخل الشهر دخول العادة، أو دخول القرار، تتباين النتائج تباينا كبيرا؛ هذا يزداد نشاطا ثم يهبط، وذاك يثبت أثره لأن ما حركه هو وضوح الوجهة واستقامة القصد.

رمضان لا يحتاج إلى من يذكر بفضله بقدر ما يحتاج إلى من يذكر بخطورة دخوله بلا استعداد؛ فكثيرون يدخلونه بنية طيبة، لكن بلا خطط، وبأمنيات بلا التزام، ثم ينقضي الشهر وقد تغير الجدول، ولم تتغير النفس، والمشكلة هنا ليست ضعف الرغبة في الخير؛ بل في طريقة التعامل مع المواسم، إذ نتعامل معها كأيام إضافية للعبادة، لا كنقطة تحول في نمط الحياة.

القرآن الكريم، قرر قاعدة دقيقة في هذا الباب حين قال تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من الْمتقين﴾؛ فالقضية ليست كثرة العمل وحدها، بل صلاح الحال الذي يصاحب العمل، ومن هنا فهم السلف أن الإيمان لا يقاس بالمظاهر وحدها؛ قال الحسن البصري: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل»، والمعنى أن النيات الجميلة لا تصنع أثرا ما لم تتحول إلى قرار منضبط وسلوك مستمر.

رمضان الحقيقي ليس زيادة عدد الختمات فقط، ولا ساعات المسجد فقط، بل زيادة القدرة على ضبط اللسان قبل ضبط المعدة، وضبط ردود الفعل قبل ضبط أوقات النوم، وضبط الخصومة قبل ضبط الجوع، وعن هذا جاء عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم»؛ فرمضان تدريب شامل للنفس، ومن يدخله ظانا أن جهاده مع الطعام فقط، سيخرج منه وقد جاع جسده وشبعت عاداته القديمة، ومن يدخله وهو يدرك أنه جهاد مع النفس، فسيخرج منه أخف ذنبا، وأهدأ قلبا، وأثبت سلوكا.

العبادات في رمضان ليست لإرهاق الجسد، بل لإعادة ترتيب الداخل، ولتدريب الإنسان أن يكون سيد قراره، لا أسير عاداته، ولا أسير لحظة غضب أو رغبة عابرة؛ فرمضان ليس اندفاعة أسبوع أول، ثم هبوطا تدريجيا بعده، بل هو مشروع تدرج ثابت، يبدأ بسؤال صريح للنفس، ماذا أريد أن يتغير في بعد رمضان، لا أثناءه فقط؟، فالأثر الحقيقي لا يظهر في ليالي الشهر وحدها، بل يظهر في أخلاق الإنسان بعده، وفي قدرته على كبح نفسه حين تغضب، أو تغريه، أو تدفعه لما لا يليق.

أخيرا.. النجاح في رمضان لا يقاس بعدد ما سنفعله فيه فقط من أمور إيجابية، بل بعدد ما استطعنا أن نتركه بعده من سلبيات، وهذه من مؤشرات نجاح الصيام التي تبقى بعد أن ينتهي الموسم، ونعود إلى جداولنا المعتادة؛ ومقرر عند أهل السلوك والتربية أن «ثواب الحسنة الحسنة بعدها»، أي إن علامة القبول أن يمتد أثر الطاعة إلى ما بعدها؛ وأختم بأن رمضان فرصة نادرة في العمر، وليس موسما مضمون التكرار؛ يدخل على الناس كل عام، لكنه لا يضمن أن يدخله الإنسان بالصحة نفسها، ولا بالقدرة نفسها، ولا بالفرص نفسها، ومن الحكمة أن يستقبل وكأنه فرصة لا تتكرر، لا عادة موسمية تؤدى ثم تنسى، ومن هنا فالدخول إليه بلا قرار تغييري واضح، غالبا ما ينتهي بالخروج منه بلا أثر واضح، ومن دخله بنية إصلاح حقيقية، فإن الله يفتح له أبواب العون والتيسير