لم يعرفن سنا للتقاعد لأنهن يعرفن أن طلب الرزق لا يتوقف عند سن معين، وخير للإنسان أن يسعى للكسب على أن يسأل الناس، ولم يمنعهن كونهن نساء أن يمتنعن عن البيع والشراء، فجميع أسواق جازان الشعبية تخصص أماكن للأسر المنتجة وللنساء حتى من قبل قرارات وزارة العمل بتأنيث بعض المحلات، فثقافة جازان لا تميز بين المرأة والرجل في العمل خصوصا في الأسواق الشعبية التي تستمر من الماضي.
اختارت المسنات مكانا في سوق الخضار بمدينة جازان حيث يبعن منتجاتهن المنزلية من الأكلات الشعبية كالفلفل المطحون والحلبة واللحوح والسمن البلدي التي تلاقي إقبالا من المشترين خصوصا وقت الغداء.
وقالت المسنة صالحة بأنها فخورة بكونها لم تستلم للعوز والحاجة وأن ما تدره من ربح يغطي بعضا من مصاريف المنزل، ولكن موجة التضخم هي ما يرهق كاهلها خصوصا في فترة كبر السن وتضيف قائلة «لا يمكن أن يأتيك المال وأنت نائم في بيتك».
أما المسنة ليلى فقالت «لم يعد السوق مصدر رزق فحسب بل إني أعده بمثابة مكان لملاقاة صديقاتي المسنات اللواتي أبيع معهن، فإننا نقضي الفترة ما قبل مجيء الزبائن في الحديث عن الماضي وعن الذكريات وعن مشكلات الحاضر وعن التغير في أنماط المعيشة».
وأضافت ضاحكة «لم نتعلم حينها لعدم وجود مدارس للبنات وإلا كنا معلمات نستلم راتبا تقاعديا بدلا من الضمان الاجتماعي ولكان وضعنا المعيشي أفضل من جلوسنا في حر الهجيرة ومهما يكن فالحركة والتعرض للشمس ربما يجعلنا نعيش بصحة أفضل من المعلمات».
المسنة فاطمة اشتكت من بعد المسافة بين السوق والحي الذي تسكن فيه وما يتطلبه من أجرة سيارة تقلها يوميا من وإلى السوق وهو ما يأخذ عليها جزءا من الربح، وعلقت على تأفف الشباب من العمل في السوق، بأن هذه العادة لم تطرأ إلا في الزمن الحاضر وأن الأجداد كانوا يعملون في جميع المهن كالبناء والزراعة وجمع الحطب، حيث إن البيع والشراء كان ولا يزال مصدر غنى كثير من الأسر ولا يمكن المقارنة بينها وبين الوظائف.