القرار الروسي الأخير باللجوء إلى الخيار العسكري بأوكرانيا متذرعا بحماية مصالح الروس في شبه جزيرة القرم، وبسند قانوني يخوله هذا الحق، محاولة واضحة من موسكو لرد الاعتبار لخسارتها السياسية والاستراتيجية في أوكرانيا.
الكرملين يتحرك باتجاه تحقيق حلمه القديم إنجاز مشروع سلخ الإقليم عن أوكرانيا التي احتفظت به منذ 1952 على شكل حكم ذاتي مستقل، لكن خطة موسكو قابلة للتحول والانتشار باتجاه أوكرانيا نفسها عبر المساومة على وحدتها وأمنها واستقرارها، وهو ما دفع بالمجتمع الدولي للانتفاض والتحرك في وجه المشروع الروسي الذي قد يشعل شبه جزيرة القرم مجددا.
القرم شهد مرور أكثر من قوة عبر أراضيه، كان آخرها الحكم السوفياتي الذي استمر حتى مطلع التسعينيات، عندما استقلت أوكرانيا عن الاتحاد السوفياتي.
متابعون ودارسون يذكرون ان السياسة الروسية ليست جديدة على دول المنطقة، فقد عاشتها قبل سنوات خلال أزمة جورجيا، والاحتمال الأقرب البديل عن الحرب الشاملة سيكون إقحام أوكرانيا في حرب أهلية يؤججها الخارج ويدفع ثمنها الشعب الأوكراني.
تركيا التي تعرف حجم خطورة المشهد على سياساتها ليس في شبه الجزيرة والتزاماتها التاريخية حيال الأقلية التترية المحسوبة على الأتراك هناك بل على استراتيجياتها في منطقة حوض البحر الأسود الذي تقاسمت مع روسيا لسنوات خطط الإشراف على إدارة شؤونه، خصوصا ان حلفاءها الغربيين يعتمدون سياسة تصعيدية ضد موسكو باسم حلف شمال الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي الذين يطالبون مجلس الأمن بتحرك عاجل لوقف التحرشات الروسية.
هذه المستجدات كلها هي التي تقلق أنقرة وتدفعها ربما للتحرك المكوكي الذي يقوم به وزير خارجيتها في محاولة لقطع الطريق على قرار موسكو في تفجير الوضع هناك.
أحمد داوود أوغلو عاد من زيارة خاطفة لكييف ولقاءات سريعة مع القيادات التترية بالقرم في محاولة للتهدئة، كون أنقرة تعرف حجم خطورة التصعيد المستمر هناك، ليس فقط على سكان الإقليم الأتراك بل على سياستها ومصالحها الإقليمية بأكملها.
أكثر ما يقلق أتراك الإقليم، هو محاولات روسية لتذكيرهم بحقبة الحرب العالمية الثانية والمجازر والقتل الجماعي والنفي الذي نفذ ضدهم، لذلك يصرون على ضمانات تركية لحمايتهم من مجازر جديدة.
من هنا نرى حكومة العدالة والتنمية التي اعتمدت سياسة إحياء العلاقات بين أنقرة والدياسبورا التركية في العالم تتحرك لأنها لا تريد أن تفرط بمثل هذه السهولة بالأقلية التركية في القرم.
أكثر من مليوني شخص من سكان القرم التتار عانوا وتشردوا بين صقيع سيبيريا وألمانيا والجمهوريات السوفياتية، وتراجع عددهم في القرم إلى نحو 350 ألفا، ولم يعودوا بذلك يشكلون سوى 12% من مجموع سكان الإقليم.
الخطة الروسية باتت شبه واضحة، تحريض الروس بالقرم على المطالبة بالانفصال عن أوكرانيا ثم محاولة ضمهم إلى روسيا في مرحلة لاحقة عبر عملية استفتاء شعبي لن تكون صعبة إطلاقا طالما أن أكثر من نصف سكان الإقليم من الروس المتحمسين للوحدة مع روسيا بعدما حصل كثير منهم على الجنسية الروسية.
موسكو تريد إنجاز خطة إقليم القرم بأسرع ما يكون، وقبل أن يتحرك المجتمع الدولي، لذلك حرضت روس المنطقة على العصيان واحتلال المرافق الرسمية واستصدار قرار من البرلمان يطالب بدخول القوات الروسية لحماية أبناء جلدتهم، ثم إنجاز عملية الاستفتاء الشعبي على مصير القرم بأكمله بعدما قربت موعد هذا الاستفتاء.
الروس يريدون أكثر من الانتقام لحليفهم المعزول الرئيس الأوكراني الفار فيكتور يانوكوفيتش.
وموسكو تلعب باحتراف أيضا ورقة القاعدة العسكرية الروسية الموجودة في سيفاستوبول، وهي قاعدة بحرية تقع على حوض البحر الأسود حصلوا عليها في إطار اتفاق مع أوكرانيا بعد انفصالها عن الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينات.
والتطورات المتلاحقة تؤكد أن هذه القاعدة ستلعب دورا أساسيا لتنفيذ المخطط الروسي.
سكان القرم التتر عانوا في القرون الثلاثة الأخيرة من فقدان عشرات الآلاف بين القتل والتهجير وطمس الهوية من قبل القيادات السوفياتية، لكن روسيا الجديدة هذه المرة هي التي تشكل خطرا محدقا فكيف سيتحرك الأتراك لإنقاذ “بهشة ساراي” التي يغني لها ويتغنى بها الشعراء والفنانون.
من هنا، فهناك إجماع على أن أنقرة أمام خيارات بالغة الصعوبة، أهمها الجمع بين حماية علاقاتها السياسية والتجارية مع موسكو وإقناعها بالتخلي عن لغة التصعيد بالإقليم، وصعوبة تقدم خيار الابتعاد عن الأقلية التركية هناك الذي لن يكون سهلا، وهي التي بنت منظومة جديدة من العلاقات مع دول الجوار لإحياء التراث والتاريخ والوجود العثماني في هذه البلدان.
هناك أيضا علاقاتها مع حلف شمال الأطلسي، شريكها منذ مطلع الخمسينات والذي سيطالبها بموقف واضح وحاسم هذه المرة.
المؤرخون يتحدثون عن فترات صعبة في حياة تتر القرم تحديدا في الحقبة الواقعة بين عامي 1941 و1967، فبعضهم كما يقال وقف بجانب الاحتلال الألماني للإقليم للتخلص من تهديدات موسكو، لكنهم سرعان ما دفعوا الثمن عام 1944 بعد انسحاب الألمان وتركهم يواجهون قدرهم بمذابح جماعية وترحيل ونفي.
أكثر من 1.
5 مليون من تتر القرم قتلهم الروس خلال نصف قرن، وها هو عددهم يتراجع هناك إلى 350 ألف شخص.
والأصعب على سكان القرم كان محاولات المساومة على هويتهم عندما نقل آلاف اليهود من أوروبا وتقديم عروض بتحويلهم إلى الوطن البديل لليهود.
وزير الخارجية التركي يطرح رؤية تحمل كثيرا من الأمنيات، فداوود أوغلو يعرض الحل الذي يقوم على 3 عناصر أساسية لا بد من قبولها: تبني قرار حماية وحدة القرم وبنيتها الحالية، طرح برنامج تنمية وإصلاح اقتصادي واسع، وتجنب إقحام الإقليم في الخلافات والنزاعات بين الدول المجاورة.
لكن تركيا تعرف أنه من الصعب الاستمرار في سياسة إرضاء الجميع والانفتاح عليهم في حال تأزم الوضع أكثر فأكثر.
تركيا وإقليم القرم الحفرة الاستراتيجية
5 دقائق للقراءة

حجم الخط
