فجأة عاد شبح الحرب الباردة. بسبب الأزمة السياسية في أوكرانيا، بعض المحافظين طالبوا الرئيس أوباما بالوقوف في وجه فلاديمير بوتين كما كان الرؤساء السابقون يفعلون في وجه قادة الاتحاد السوفيتي من جوزيف ستالين وحتى ميخائيل جورباتشوف.
الرئيس أوباما كاد يفعل ذلك يوم الجمعة الماضي.
في رده على تقارير عن الحشود الروسية قال «سيكون هناك ثمن لأي تدخل عسكري في أوكرانيا».
الذين ينتقدون الرئيس أوباما يعترفون أن الزمن قد تغير.
كتبت وول ستريت جورنال في إحدى افتتاحياتها «لا أحد يريد حربا باردة جديدة،» قبل أن تعود الافتتاحية لتوحي بالعكس عندما قالت إن الرئيس أوباما يستطيع أن يمنع حربا أهلية في أوربا الشرقية «إذا اعترف بعداء فلاديمير بوتين لأوروبا ديموقراطية حرة، وقال للمحتجين الأوكرانيين بوضوح إننا نقف إلى جانبكم».
هناك أصداء أخرى من الحرب الباردة ظهرت في التقارير الأخيرة بأن روسيا تنتهك اتفاقيات الأسلحة النووية التي تعود لأيام ريجان، وكانت هناك ردات فعل قلقة لاقتراح وزير الدفاع الأمريكي تشوك هيجل بتقليص الجيش الأمريكي إلى أدنى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية.
صورة رقعة الشطرنج بين اللاعبين العملاقين: روسيا والولايات المتحدة- أصبحت كناية معروفة عن الحرب الباردة، لكن هذه الصورة مضللة.
كثير من القرارات التي تعتبر الآن بعيدة النظر ومبدعة كانت تعتبر في يوم صدورها بأنها تفتقر إلى الإرادة القوية.
ولدت الحرب الباردة جنبا إلى جنب مع العصر النووي، وكانت تتميز بالحذر بدلا من المواجهة المباشرة.
ومع الحذر جاءت تعديلات وتسويات وفي بعض الأحيان تراجع، وكلا الجانبين تراجعا في وقت من الأوقات.
مصطلح «الحرب الباردة» ظهر في عام 1947 في كتاب ألفه والتر ليبمان وكان يحمل نفس الاسم.
ليبمان، الذي كان يتبنى الواقعية في السياسة الخارجية، قال إن السياسة يجب أن تتحلى بالبراجماتية، وألا تكون مثل حملة ضد الشيوعية سوف تتطلب استخدام وتمويل ودعم أنواع مختلفة من الأقمار الصناعية والعملاء.
الخطاب الساخن كان غالبا يساهم في المشاكل.
في 1952، تم انتخاب أيزنهاور رئيسا للولايات المتحدة بناء على وعوده باستبدال إستراتيجية احتواء الشيوعية التي اتبعها الرئيس هاري ترومان بسياسة «تحرير» عدائية تمسك بزمام المبادرة من الاتحاد السوفيتي، ومع ذلك اختار أيزنهاور على مدى مرحلتين انتخابيتين الاستقرار بدلا من الصراع.
وعندما أرسلت موسكو الجيش الأحمر في 1956 لقمع المحتجين المعادين للشيوعية، وقتل الجيش الأحمر حوالي 30.000 شخص، تعالت الصرخات للقيام بعمل ما، لكن الولايات المتحدة والغرب لم يفعلا شيئا.
واعتبر البعض ذلك تراجعا من الجانب الأمريكي.
وهناك الآن من يعتبر أوباما «أكثر الرؤساء الأمريكيين سذاجة في تاريخ الولايات المتحدة، وأن الرئيس بوتين يريد استعادة الإمبراطورية الروسية»..بحسب قول السيناتور جون ماكين.
الاتهام الثاني وجهه ليبمان وآخرون أيضا إلى جوزيف ستالين وقادة الاتحاد الشوفيتي الذين جاؤوا بعده، لكن ذلك لم يمنع أيزنهاور من دعوة خروتشوف إلى الولايات المتحدة في 1959، مما أغضب المحافظين مرة أخرى، ونظموا احتجاجات خلال زيارته.
الرؤساء اللاحقون حذوا حذو أيزنهاور.
حتى أكثر حروب الأعصاب شهرة، أزمة الصواريخ الكوبية، تم حلها من خلال صفقة سرية: وافق الروس على عدم وضع الصواريخ في كوبا، ووافقت إدارة كندي على إزالة الصواريخ التي كانت قد نشرتها في تركيا.
أحد البطال الآخرين للحرب الباردة، ريتشارد نيكسون، أخرج أمريكا من حرب فيتنام وعقد اتفاقات مع الاتحاد السوفيتي، بما في ذلك اتفاقية قلصت مخزون البلدين من الصواريخ النووية.
مثل هذه الحسابات هي المقدمة الحقيقية للمقاربة التي يبدو أن الرئيس أوباما قد انتهجها في مناطق المشاكل من سوريا إلى أوكرانيا.
مثل نيكسون، أنهى حربا كان قد ورثها، هذه المرة مع العراق، كما أن اعتماده على استخدام الطائرات بدون طيار وعلى الحرب الالكترونية يوازي تجنب أيزنهاور للعمليات العسكرية.
وطموحه لإزالة المخزونات النووية مبني على الجهود التي بذلها كل من نيكسون وريجان قبله.
ربما آن الأوان لكي تتقاعد الاستعارة التي تمثلها قطعة الشطرنح.
الحقيقة هي أن الحرب الباردة لم تكن مجرد لعبة مدروسة ومرتبة بعناية بين لاعبين بارعين، بقدر ما كانت عملا مخيفا شديد الخطورة، حيث كان القادة في كلا الجانبين يعرفون جيدا أن أي خطوة خاطئة يمكن أن تدفعهما إلى الهاوية.
* نيويورك تايمز