عتاب شفيف بثته وسائل الإعلام العربية إلى صديق العرب الوفي المستشرق المثير للجدل الذي حطت قدماه على أرض المشرق العربي منذ ما يزيد على قرن من عمر الزمان، ولم يكن ذاك سوى (لورنس العرب).
نسي العرب كل شيء وتذكروا دخوله عام 1914م إلى مشرب فندق في مدينة حلب اسمه «بارون» وخرج منه دون أن يدفع فاتورة مقبلاته ومشروباته.
وإن كان العرب لا يجدون له عذراً قد يكون هو ما منعه من دفع تلك الفاتورة مثل انشغاله باستكشاف آثار الشرق والبحث في دقائقها، أو دوره المثير في المخابرات البريطانية أو واجبه الديبلوماسي والبحثي والمشاركة في الثورة العربية أو حتى تعويله على الكرم العربي الفياض.
هذا الكرم الذي تجسد فيما بعد بالمساواة بين التساهل في دفع فاتورة فندق على مشروبات ومقبلات مثل التساهل في تقسيم الأرض العربية جملة واحدة.
شخصية (لورنس العرب) التي ما زالت تثير الجدل في الشرق الأوسط كما في الغرب، منذ أن نزل في عدة دول عربية آنذاك يحمل حلمها بالوحدة حتى تم اعتباره أسطورة إنجليزية لا تتكرر.
ساهم في ذلك بذكائه الحاد وشخصيته الجذابة وتألقه وسط الأحلام العربية كمنقذ تارة وكدخيل تارة أخرى.
دخل (لورنس العرب) التاريخ باقتدار واضح، فقد ساهم في ثورة القبائل العربية على الاستعمار والحكم التركي العثماني، وأبدلها تحالفاً مع التاج البريطاني مقابل التعهد بإقامة دولة عربية واحدة مستقلة، تمتد من البحر الأحمر غرباً حتى الخليج العربي شرقاً ومن الساحل السوري الذي يضم سوريا ولبنان وفلسطين شمالاً حتى حدود شبه الجزيرة العربية جنوباً.
ومن الآثار التي أثبتت ذلك وأصبحت ذات قيمة تاريخية وسياسية مهمة للغاية هي مذكرات مكماهون الشهيرة (1915-1916م).
وهي تلك الرسائل التي قام لورنس العرب في ذلك الوقت بتسليمها إلى حسين بن علي شريف مكة من هنري مكماهون المندوب السامي البريطاني في مصر.
كان موضوع تلك الرسائل التي تمت خلال الحرب العالمية الأولى، يدور حول المستقبل السياسي للأراضي العربية وتعهد باسم الحكومة البريطانية بتنفيذ عدة وعود.
ولكن على عكس ما أمل القوميون العرب فقد تم خرق هذه الوعود بتقسيم فرنسا وبريطانيا للمنطقة العربية باتفاقية سايكس- بيكو السرية في مايو 1916م والتي أزيح عنها الستار بوصول الشيوعيين إلى الحكم في روسيا عام 1917م.
وبعد أن حنثت بريطانيا بوعودها للعرب التي قطعتها على لسان لورنس ذهب إلى مؤتمر «فرساي» في باريس عام 1919م خصيصاً ليأخذ للعرب حقهم، ولكنه لم يظفر بشيء حتى بعد التوقيع على معاهدة فرساي التي وضعت حداً لوقائع الحرب العالمية الأولى.
ونتج عن ذلك المؤتمر تأسيس عصبة الأمم التي يرجع الهدف منها إلى الحيلولة دون وقوع الصراعات بين الأمم مثل الحرب العالمية الأولى.
ولكن بعد تمكن هذه العصبة وتمددها دارت رحى حرب أخرى هي الأشرس وهي الحرب العالمية الثانية وما زالت العجلة تدور.
لن يمر ذكر (لورنس العرب) دون ذكر تحفتين أسرتا العالم مشرقه ومغربه.
الأولى تحفة أدبية وهي كتابه (أعمدة الحكمة السبعة Seven Pillars of Wisdom) الذي صدر في عام 1922م، وهو خلاصة فلسفية لتجربة حياته الاجتماعية والسياسية التي دار مجملها في المشرق العربي: مصر، الحجاز، العراق وسوريا، ممسكاً بزمام إدارة أنظمة دوله بعد سقوط الدولة العثمانية، ومساهمته الواضحة في قيام الثورة العربية الكبرى.
وقد كان صريحاً لدرجة أنّه نشر في ذلك الكتاب أنّ بريطانيا خانت القضية العربية.
أما التحفة الأخرى فهي فنية تمثلت في تحويل نفس الكتاب إلى فيلم عام 1962م من بطولة بيتر أوتول، وعمر الشريف، وأنتوني كوين.
وحقق الفيلم نجاحاً باهراً وتم ترشيحه لثماني جوائز أوسكار.
ومع هذه المسيرة العامرة لشخصية فذّة مثل (لورنس العرب) فإنّ كثيرين عتبوا على الرجل الذي نام على مبلغ الفاتورة، ولكني أضم صوتي إلى أصوات من رفعوا عنه الملامة باعتبار أنّه كان مأخوذاً بسحر الشرق.
ولكن الاعتبار الأكبر الذي يخرج (لورنس العرب) من دائرة الذنب هو أنّه يعلم أنّنا كعرب أقحاح لدينا المقدرة على تناسي فواتير الحروب الشاملة التي مرت وتمر على الوطن العربي من المحيط إلى الخليج فكيف بفاتورة فندق!