ماجد بن نويصر

الصحوة على الطريقة الأمريكية.. عندما لا يستطيع المجتمع العودة إلى النوم

الاثنين - 12 فبراير 2024

Mon - 12 Feb 2024

في قلب الحضارة الغربية، حيث تتسابق ناطحات السحاب لتقبيل النجوم وتتعانق الثقافات في قطعة البيتزا، ولدت ظاهرة جديدة تغزل الأفكار غزل الحائك لألوان الأقمشة وأصنافها. إنها ظاهرة الصحوة!

في عالم ما قبل الصحوة، يقال إن الناس كانوا يتحدثون ويمزحون دون الحاجة لاستشارة محام للتأكد من عدم انتهاك حقوق أحدهم العاطفية.

الآن، بمجرد أن تفتح عينيك في الصباح، تجد نفسك على حافة التنبه لكل كلمة تخرج من فمك.

أما بالنسبة لحس الفكاهة والنكتة فقد أصبح من الماضي.

فالنكتة التي كانت تروى بين الأصدقاء، أصبحت الآن تحتاج إلى مقدمة، ومترجم، ومراجعة لجنة من الخبراء.

في هذه الأجواء، تحول النقاش البسيط إلى رياضة قتالية، فالكلمات هي الأسلحة، والأفكار هي البراميل النارية.

وعندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، يشعر الجميع أنهم مقاتلون في معركة.

النقاشات الطلابية تتحول إلى معارك ملحمية، ويمكن أن يكون الفائز هو من يتمكن من إلقاء أكبر عدد من أفكار الصحوة في الوقت المحدد.

ومع وجود هذه الصحوة، تتغير اللغة بسرعة، كلمات جديدة تظهر كل يوم، وكأنها في سباق للوصول إلى قاموس جديد.

والخطأ الأكبر؟ ليس معرفة معنى الكلمات القديمة، بل عدم معرفة معنى الكلمات الجديدة، إذا لم تكن تعرف ما هي فربما يجب عليك البقاء في البيت!

وماذا عن الأفلام والمسلسلات؟ يجب أن تتجنب أي تصوير لشخصية غير بيضاء في دور الشرير، وإلا فإنك تشجع العنصرية وتسهم في تعزيز الصورة النمطية.

ولكن لا تقلق، هناك دليل خاص يحدد القواعد بدقة لكيفية تصوير الشخصيات وتوزيع الأدوار بشكل عادل.

من الواضح أن العالم بأسره ينتظر هذا الدليل بفارغ الصبر!

وبالطبع، لا يمكننا نسيان الجامعات، حيث تتفنن الصحوة في كمية القواعد والتوجيهات التي يجب على الطلاب الامتثال لها.

يمكن أن تشمل هذه القواعد عدم استخدام كلمات مثل «رجل «أو «امرأة»، بل يجب استخدام مصطلحات مثل «شخص يحمل هوية جنسية معينة»، وهو أمر مضحك بحد ذاته.

ولكن لا تقلق، فالجامعات توفر دورات تدريبية لتعليم الطلاب كيفية إحراج أنفسهم بأنفسهم بشكل صحيح، لأن الصحوة تحتاج إلى تدريب وتمرين!

بالأمانة، الصعود المفاجئ لظاهرة الصحوة في المجتمع الأمريكي كان مثل إعصار مربك، ترك وراءه أثرا من الأفكار المتشددة والمظاهر المرسخة.

ففي الوقت الذي يصحو فيه الكثيرون إلى مطالب المساواة والعدالة، يبدو بعض الآخرين كما لو كانوا يصحون إلى واقع آخر، وربما كان يفضل لهم البقاء نياما!

وهناك، أصبحت الجامعات الأمريكية «المسرح» الرئيس لهذا الصراع الثقافي، حيث تجتمع أفكار الطلاب والمحاضرين والموظفين في معركة غير مبررة لابتكار طرق جديدة للتنصل من الانتقادات.

الأمر مضحك إذن، فهم إلى ماذا تتجه أضواء الصحوة في الجامعات الأمريكية.

عادة ما يتم التصريح بانتصارات الصحوة من خلال إقامة ورش عملية ومناسبات خاصة لرفع الوعي، وكأنهم يريدون استحضار روح «الحيوية»...بطريقة ما، على الأقل.

ولكن كيف يتم ذلك بالضبط؟ ربما تعتبر جامعاتهم مساحات آمنة للحوار، لذا قلما يمر اليوم دون الاحتجاجات والمظاهرات والصراخ في الأماكن العامة.

أليس هذا ما يسعى إليه الجميع بالضبط؟

من الأمثلة الكوميدية لمظاهر الصحوة خاصة في المجتمع الأمريكي: تخيل أنك تشاهد إعلانا لشركة تجارية، وتظهر فيه عائلة سعيدة تستمتع بمنتجها الجديد.

لكن هنا يأتي الصحوة لتدخل على الخط.

يتم انتقاد الإعلان لعدم تواجد تنوع جماعي في العائلة، فتظهر حملات التوعية بالتنوع العائلي مثل «أنت لا تحتاج لعائلة بيضاء لتكون سعيدا!».

في عالم الصحوة، يتم تغيير لغة الشباب وتحويلها إلى لغة تحاول تجنب أي تحيز أو انحياز.

فمثلا، يمكنك أن تسمع شخصا يقول:«لا أريد أن أصفك بأي كلمة تحدد هويتك، فأنا في الواقع أتحدث عن الكيان الذي يحمل هوية جنسية غير ثنائية!».

يجب أن تتجنب استخدام أي صفة وصفية تحدد هوية الشخص، فمثلا، يجب أن تقول «شخص بلون جلد معين بدلا من «شخص أسود»، و«شخص بأصل آسيوي» بدلا من «آسيوي».

بالتأكيد، لا يمكن النظر إلى الإضاءة الساطعة للصحوة في الجامعات دون الإشارة إلى طبيعة التعبير الحر.

فمن المفترض أن يشحذ الذهن في الجامعات، لكنه الآن يحظر محاولة تقديم آراء معارضة.

لذا، في حالة الشك، كل ما عليك فعله هو الانضمام إلى الأغلبية الصاخبة وترديد ما يطلبون.

إذن، هل الصحوة هي فعل يراعي الآخرين أم كلمة لا تسمح إلا بما تفضله الأغلبية؟

لابد وأننا جميعا سمعنا عن حالات الإحباط نتيجة لطلبات الحظر عن الأفكار المثيرة.

أو، ما الإحساس الذي يشبهه؟ ربما يمكن أن نقارنه بأعظم أوراق المقترحات التي ترسلها، والتي تتحول عند الحاجة إلى «أسلحة» كلامية تسلط منها الضوء على طبيعة السياسة الثقافية!

ألا يمكننا أن نفرق بين الاحترام للرأي الآخر وبين الحاجة الملحة لفرض الصمت على الآراء المخالفة؟

MBNwaiser@