تنزيل الأفكار في التَّاريخ يجعلها جزءًا مِنْ حركة المجتمع، ويخفِّف مِنْ تجريدها.
ونحن لا نفهم تلك الأفكار حقَّ الفَهْم بغير ذلك، وتفريغها مِنَ التَّاريخ، أوْ ما ندعوه سِياقًا تاريخيًّا، يُصيبها بغير قليل مِنَ الخَلْط، فلا نَسْتبين منها إلَّا ما يوجِّهه هذا الدَّارس أوْ ذلك.
في تاريخ الجامعات يَعْرف طلَّاب الآداب العربيَّة كُتُب محمَّد محمَّد حسين، وأظْهَرُها «الاتِّجاهات الوطنيَّة في الأدب المعاصر»، والحقُّ أنَّه كتاب جديرٌ بالمكانة الَّتي بَلَغَها، انفسح لكلّ ما تَقَلَّبتْ فيه الحياة العربيَّة، منذ عصر النَّهضة، وما تَمَخَّض عنها مِنْ مذاهب وأفكار، ولا يَكاد مفكِّر يَصْدع برأْيٍ، إلَّا وله في ذلك الكتاب موضع.
ضَجَّ الكتاب بتَقْييد الأفكار المتصارعة، ولعلَّ المؤلِّف أراده جزءًا مِنَ السِّجَال والصِّراع، ولا يَسْتَخْفِي ذلك في كتابه الجليل، وليس في هذا بأْس، إنَّما البأْس أن ينتقل أَثَر ما فيه مِنْ سِجَالٍ إلى نَفْس قارئه، فلا تكاد تَمْضِي في الكتاب حتَّى تنسَى أنَّك تقرأ وجهًا مِنْ وجوه الفِكْر، وما هي حتَّى تَصْدُر عمَّا يَصْدر عنه مؤلِّفه وما يعتقده، فتحبّ من يحبّ وتكره مَن يكره.
أثَّرتْ كُتُب محمَّد محمَّد حسين في نَفْسي، ولمْ أستطعْ أنْ أنجُوَ مِنْ سَطْوتها، فغدوْتُ أرى بعينيه، يوجِّهني أنَّى شاء.
ولا أنسى اليوم كيف استبدَّ بي كتاب له عنوانه «حُصُونُنا مُهَدَّدةٌ مِنْ داخلها ومِنْ خارجها»، وتَمَلَّكَني إحساس شقيّ أنَّ شِبْلِي شميِّل وأديب إسحاق ويعقوب صرُّوف وعبدالعزيز فهمي وأحمد لطفي السَّيِّد وطه حسين- كأنَّ الله ما خَلَقَهُمْ ولا بَرَأَهُم إلَّا ليُديروا بما أنشأوه مِنْ فِكْر وأدب حرْبًا على الإسلام والعُرُوبة والتُّراث!لمحمَّد محمَّد حسين، وهو مِنْ صفوة الأدباء والعلماء، أن يُعَبِّر عنْ عصره بما شاء، ما كان جزءًا مِنْ سِجَال تَتَدافع فيه الأفكار يَمْنةً ويَسْرةً- وليس علينا أن نَصْدر عمَّا صَدَر، ولا أنْ نعتقد ما اعتقد، وربَّما كان مِنَ الاعتدال والإنصاف أنْ نقرأ الأفكار والصِّراعات في التَّاريخ، وأنْ نُقْبِل على تلك المذاهب، مهما اختلفتْ، بعقل لا يستجيب لِمَا سوى التَّسديد والمقارَبة، وألا نتَّخذ الأفكار ذريعة للحبّ والكراهية نيابةً عنْ أصحابها.
إحساسٌ شَقِيّ
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
