يتألم الأب وتتألم الأم عندما يشاهدان ابنتهما أو ابنهما قد انسل الزمن من تحت أقدامهما، وهما قابعان في المنزل بدون زواج.
إن الزواج سنة كونية وضع لها رب العزة والجلال قوانين وأسسا لتقوم عليها الأسرة، وحث نبينا صلى الله عليه وسلم على الزواج فقال «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، بل إنه عليه الصلاة والسلام كان ممن عددوا في الزواج، فلماذا أخذ المجتمع منحى بعيدا عن سنته صلى الله عليه وسلم؟ وهل أسباب المشكلة تكمن في الآباء أو الأمهات أم الشباب نفسه، أم إن ظروف المجتمع تغيرت، أم إننا خالفنا النهج النبوي وابتعدنا عنه فأصبنا بهذه المشكلة؟ نحن نعرف أن أقوى غريزتين في الإنسان هما غريزتا الجوع والجنس، فلكي نشبع غريزة الجوع فإننا نتناول ثلاث وجبات في اليوم غير (النقنقة والتلبيبة).
والنقنقة والتلبيبة بلغة أهل مكة هما كل ما يؤكل في غير مواعيد الوجبات الثلاث الرئيسة.
هذا بخصوص غريزة الجوع، أما كيف نشبع غريزة الجنس لدى أبنائنا وبناتنا، فهذه مشكلة تؤرق الجميع، إذا ما عرفنا أننا نعيش ونتعايش، بل إننا مغموسون في أجواء الفضائيات والإنترنت واليوتيوب التي تظهر محاسن وجمال المرأة بصورة طاغية، وتظهر الرجل في صور إغراء جنسي واضح! ويجب ألا نضحك على أنفسنا، فهذا ما نعيشه جميعا، فلا يمكن أن نتغافل عن ذلك أو نغفله، فيعيش الشباب والشابات تحت ضغوط شديدة، لأنهم لم يجدوا متنفسا شرعيا لإشباع غرائزهم الجنسية، والمتنفس الشرعي الوحيد هو الزواج.
وعندما يتجاهل المجتمع أو بعض المجتمع ما سنه الله في كونه بأن جعل الزواج سنة وحث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك سيقودنا لمشاكل اجتماعية لا تحمد عقباها، لماذا؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حذر وقال «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، هذا من جهة رفض العائلات تزويج بناتهم لمن يُرضى عن دينه وخلقه.
أما الأسباب الأخرى التي تمنع الزواج فهي أن الأب والأم يريدان لابنتهما ولابنهما أن يواصلا تعليمهما حتى مرحلة الدكتوراه، وهذا سبب رئيس في هذه المشكلة، على الرغم من أن الزواج لا يعطل أو يعرقل التحصيل العلمي، فكبار الأكاديميين والمخترعين والقادة والمشاهير كانوا متزوجين وهم في مرحلة تكوين حياتهم العملية والعلمية.
وهناك أسباب أخرى، منها أن كثيرا من الشباب يريدون أن يتزوجوا من ملكات جمال، والسبب نفسه لدى الفتيات ولكن بصورة أقل، أو أن يضع ولي الأمر شروطا تعجيزية ليوافق على قبول المتقدم لابنته! أو أن من توفيت زوجته أو المطلق أو الأرملة أو المطلقة يصبحون غير مقبولين لدى معظم من يرغبون في الزواج! أو أن يضع المتقدم للزواج شروطا بألا تعمل المرأة أو تواصل تعليمها، أو أن تشترط هي أن يكون لها بيت مستقل غير بيت أهل الزوج، أو أن تكون لها خادمة وسائق، أو أنها لا تنتقل مع زوجها المنتظر إلى غير المدينة أو القرية التي تعيش فيها، أو أنه لا يتزوج عليها، أو أن تكون العصمة في يدها..ولكن كل الأسباب الأخيرة هي أسباب غير شائعة، لكنها في مجموعها معرقلة للزواج.
والشيء الذي يصيب بالغثيان أن كثيرا ممن يملكون الملايين في أرصدتهم البنكية يؤخرون، بل يتجاهلون زواج أبنائهم وبناتهم بدون أسباب تذكر، على الرغم من أنهم يستطيعون بأموالهم أن يزوجوا أبناءهم وبناتهم وأن يصرفوا عليهم، بل يستطيعون بأموالهم تزويج بنات وأبناء الحي بأكمله! لكن التوفيق ليس حليفهم.
وعلى هؤلاء أن يدركوا أن الاستطاعة التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم يدخل فيها ولي الأمر المستطيع، فقد ذكر لنا شيخنا فضيلة الشيخ محمد نور سيف، المدرس والمربي الفاضل، في حلقته في (حصوة) باب العمرة بالمسجد الحرام، وكان ذلك قبل أربعين عاما تقريبا أنه «إذا استطاع الأب أن يزوج ابنه، ولم يفعل، وارتكب الابن ذنبا في هذا الخصوص فإن الأب يشاركه الإثم».
فالمسألة أخي القارئ تحتاج من الأكاديميين وعلماء الاجتماع والنفس في بلادنا أن يدرسوها، ليخرجوا لنا بتوصيات وعلاج قد يفيد المجتمع في حل هذه المعضلة.
زواج الأبناء.. مشكلة تؤرق البيوت
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
