دخلت الطائرة متأخراً أبحث عن مقعدي والمضيفون مشغولون بإقفال أبواب الطائرة والاستعداد للإقلاع، وحالما وصلت إلى المقعد وجدت بجانبي فتى في أواخر مرحلة مراهقته ساعدني بلطف وكرم بالغ على الجلوس.
سألته: أي صحيفة ترغب بقراءتها؟أجابني: ماذا تقصد؟ هذه المرة الأولى لي التي أصعد فيها الطائرة.
أجبته مبتسما: كثيرا ما رافقت أشخاصاً في تجاربهم الأولى على الطائرة، المضيفة في طريقها الآن حاملة سلة من الصحف، فأيها ستختار؟هو: أريد أي صحيفة رياضية.
وبعد أن أخذنا الصحف، وكنت قد أخذت صحيفة مكة، أبحث فيها عن مقالي إن كان قد نشر أم لا، سألني من أين أنا؟أنا: من مكة، من نفس مدينة هذه الصحيفة.
هو: هل أنت جامعي؟أنا: أدرس في الجامعة وأعمل أيضا.
هو: واضح عليك بأنك تحب « العنقلينزي»أنا: أبحث عن معلومة ولم أجد مرجعاً لها أفضل من هذا الكتاب المكتوب باللغة الإنجليزية.
أفهم من سؤالك أنك لا تحبها؟هو: ولا أستطيع أن أرى أحرفها، ثم لماذا أنت تدرس وتعمل في الوقت نفسه؟ لماذا تبذل كل هذا العناء؟ انظر إلي أنا على سبيل المثال، لدي واسطة في شركة شبه حكومية سأنهي هذه السنة المرحلة الثانوية وسأعمل فيها.
أنا: هل ستكون فنيا أم إداريا؟هو: لا أعلم، لكنها وظيفة، وراتبها جيد، أعلى من مكافأة الجامعة، ولا أحتاج لتعلم هذه اللغة الصعبة.
أنا: ها هي المضيفة قد أتت من جديد، ومعها وجبة خفيفة، ستخيرك بين بعض أنواع الساندويشات وبعض المشروبات.
هو: هل هي عربية؟ يبدو عليها كأنها مغربية!أنا باستغراب: ربما نعم.
هو: أخيرا رأيت امرأة عربية، هذه أيضا أول مرة في حياتي.
أنا محاولا تغيير اتجاه الحديث: أراك مرتدياً الإحرام وعازما على تأدية مناسك العمرة بإذن الله.
هو: نعم، أتيت أنا وأمي وأختي الجالستان خلف مقعدنا وخالي وأبناؤه الجالسون بجوارهم، أخبرني عن مكة كيف هي؟ وكيف أصبح المسجد الحرام؟أنا: مكة تتغير كل أسبوع، فهذه المشاريع تأتي على بعض الأماكن وتزيلها من أجل طريق أو مشروع جديد أو إزالة عشوائيات، أو حتى لمشاريع استثمارية، وفي المسجد الحرام مازالت أعمال صحن المطاف تعيق حركة المعتمرين، وقد علمت أنه تم السماح بزيادة أعدادهم 100%.
هو: ما شاء الله، إن آخر مرة أتيت فيها الحرم حينما لم يكن فيه سوى دور أول.
أنا: تقصد دورا للمطاف؟ أم دور المسعى الجديد؟ أم أي دور تحديدا؟هو: لا لم يكن في الحرم كله سوى دور واحد.
لا أعلم بعدها كيف سار الحوار تحديدا، ولكنني كنت مشغولا بملاحظة الفارق الفكري بيني وبين رفيقي على الطائرة، وأسأل نفسي عن أهمية هذا الفارق، هل هو أمر عادي، ولكنني ولسبب ما أعطيه أكبر من حجمه، أم هو مشكلة حقيقية أن أرى فتى يفصله عن تخرجه من المرحلة الثانوية بضعة أشهر ومعلوماته عن التوظيف محدودة جدا مكتفيا بأن لديه واسطة، وكل السنين التي قضاها في الدراسة لم تزرع به شغفا لمواصلة التعليم، وكانت نصائحي الأخوية له بمحاولة تطوير لغته الإنجليزية ومواصلة تعليمه الذي يراه عبئاً عليه لم يستطع تقبله، بل حتى الحوارات التي دارت بيني وبينه لم تكن متناغمة، ولن أكتب هنا محاضرة عن حوار الأجيال، وأن جيلي لم يكن هكذا، وأن الجيل الصاعد مخيف، لأننا سئمنا هذا الطرح المتشائم، ولكن ما أرغب بقوله هو أنني أتمنى صدقا أن يتم الالتفات لهذه الأجيال القادمة التي نعول على سواعدها بالكثير، وننتظرها لتشاركنا النهضة من أجل الوطن والأمة الإسلامية، ولا مانع من أن تتوجه هذه السواعد لأعمال فنية ولا تكمل مسيرتها الجامعية، أو أن تتجه للأعمال الحرة، أو غير ذلك، لكن ما أطلبه وأتوقعه هو أن تكون هذه السواعد أكثر وعيا وعلماً بفرصها ومستقبلها الذي تنتظره، فبعض أحلام الشباب مثيرة للسخرية، فأحد زملائي في الجامعة والذين قد تخرجوا بالمناسبة، كان هدفه وطموحه في الحياة أن يتزوج معلمة وأن يشتري من راتبها سيارة «كامري»، وقد تخرج بالمناسبة وهو الآن مهندس «قد الدنيا»، وهذا كله يجعلني أشعر حقا أن الشباب في مجتمعنا يعانون من فقر أحلام، وأحلامهم لا تناسب واقعنا ولا ما نتطلع للوصول إليه ولا تحمل وعيا وهما بأمتنا الإسلامية.
فقر أحلام
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
