بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، أمل الكثيرون أن بالإمكان وضع أيديولوجيا الحرب الباردة خلفنا، وأن القوى العظمى يمكن أن تتعاون من أجل عالم أفضل.
الناتو قام بواجبه.
كانت هناك أساليب عديدة يمكن من خلالها منح دول أوروبا الشرقية التي كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي الأمن في المستقبل.
لكن حلف الناتو اختار منح ذلك الأمن من خلال التحرك شرقا إلى حدود روسيا.
الرئيس السوفييتي في ذلك الوقت، ميخائيل جورباتشوف، أصر خلال محادثاته مع وزير الخارجية حينها، جيمس بيكر، على أن حلف الناتو يجب ألا يتحرك خطوة واحدة نحو الشرق – هذه منطقة نفوذ روسية تقليدية.
لكن الرئيس بيل كلينتون دفع في مرحلة لاحقة باتجاه توسعة حلف الناتو وصولا إلى حدود روسيا.
كان هناك حديث في ضم حتى جورجيا وأوكرانيا إلى عضوية الحلف.
ذلك التحرك نحو الشرق، بالرغم من المحادثات التي كانت قد عقدت مع جورباتشوف، لم يكن تصرفا حكيما وشكل إشارة واضحة لروسيا بأن الغرب ليس مستعدا لجعل روسيا شريكا متعاونا في إدارة الشؤون الأوروبية أو الدولية؛ وأن الغرب سيستخدم القوة التي يملكها وعلى روسيا أن تتقبل ذلك.
هذه الرسالة تم تأكيدها بعد عدة سنوات، عندما سعى الرئيس جورج بوش إلى نصب جزء من نظام الدفاع ضد الصواريخ البالستية في بولونيا وجمهورية التشيك.
الولايات المتحدة قالت حينها إن ذلك التحرك موجه ضد إيران، لكن روسيا لم تكن لتصدق مثل تلك التبريرات.
الغرب كان يتصرف وكأن الحرب الباردة ما زالت قائمة.
ما حدث منذ فترة في جورجيا، وما يحدث الآن في شبه جزيرة القرم، ينبع مباشرة من تلك الأخطاء المبكرة التي ارتكبتها الدول الغربية.
الغرب يحوم منذ سنوات لجر أوكرانيا إلى حلف الناتو.
وكان الغرب يبذل قصارى جهده لدعم وصول حكومات مؤيدة للغرب إلى الحكم في أوكرانيا، ومعارضة أو الإطاحة بالحكومات المؤيدة لروسيا.
مشكلة الغرب أنه لم يكن مستعدا بشكل جيد للتطورات في أوكرانيا.
هناك أقلية كبيرة من الروس في أوكرانيا؛ ومن الطبيعي أن تشعر روسيا بأنها تتحمل مسؤولية القيام بالخطوات اللازمة لحماية تلك الأقلية.
بالإضافة إلى ذلك، إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعتقد أن الغرب يحاول استدراج أوكرانيا لضمها إلى حلف الناتو، فإن من الطبيعي أن يتخذ الخطوات التي اتخذها لضمان الوصول إلى موانئ البحر الأسود في شبه جزيرة القرم وضمان أمن وسلامة المنشآت العسكرية التي يمكن استخدامها لتهديد وصول روسيا إلى تلك الموانئ.
روسيا سوف تسعى بالتأكيد للحفاظ على هدفها في حماية مصالحها في شبه جزيرة القرم.
الإدارة الأمريكية وقادة الدول الغربية والإعلام الغربي غالبا ما يصورون الصراع كله من جانب واحد يلائم مصالحهم: روسيا هي المخطئة، وفلاديمير بوتين يمنع قيام نظام ديموقراطي حقيقي في أوكرانيا.
الخطوات التي قام بها الغرب في وقت مبكر بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وانتهاك ما كان الرئيس جورباتشوف يعتقد –ربما بشكل خاطئ- أنه التزام مؤكد بأن لا يتحرك حلف الناتو نحو الشرق، كان من شأن كل ذلك أن يخلق صعوبات في المستقبل.
لن يكون هناك مخرج حقيقي من هذه الأزمة ما لم يفهم الذين يحاولون التعامل مع هذه المشكلة المستعصية والصعبة والخطيرة بشكل عادي تاريخ الأخطاء التي ارتكبها الغرب في تلك المنطقة.
هناك جانب آخر من هذه الأزمة يمكن أن يجعل الغرب يشعر بقلق أكبر من أجل المستقبل.
الولايات المتحدة بدأت ما يعتقد كثيرون أنها سياسة حمقاء وخطيرة في غرب المحيط الهادئ: سياسة احتواء الصين.
حتى جوزيف ناي، وهو مسؤول بارز سابق في وزارة الدفاع الأمريكية، قال إن الاحتواء هو مقاربة خاطئة للتعامل مع الصين الناشئة – سياسة الولايات المتحدة يجب أن تعتمد على التعاون وليس على الاحتواء مع الصين.
كانت هناك نقاشات حول ترتيبات إستراتيجية مستقبلية محتملة بين الصين وروسيا.
هل السياسات الأمريكية الخاطئة والأحداث التي تتكشف في أوكرانيا سوف تدفع كلا من روسيا والصين باتجاه عقد شراكة إستراتيجية؟أولئك الذين كانوا يعتقدون أن الحرب الباردة قد انتهت وكانوا يأملون أن ينشأ عالم أفضل يثبت الآن أنهم كانوا مخطئين.
أولئك المسؤولون عن السياسة الحالية يظهرون فهما غير كاف للأحداث التي تتكشف أمام أعينهم، ويبدون عدم قدرتهم على التعاون من أجل قيادة العالم بحكمة نحو مستقبل آمن.
* الجارديان