لا أدري لماذا خطر بذهني السؤال عن من يشغل منصب الملحق الثقافي بسفارتنا؟ الملحقيات الثقافية لا يقتصر دورها على الإشراف والاهتمام بشؤون الطلبة الذين تبتعثهم الدولة، أو يبتعثهم ذووهم للدراسة في تلك الدولة، بقدر ما يشكل هذا واحداً من وظائفها.
بل يكاد ـ في حال وجود عدد كبير من رعايا الدولة كدارسين ـ أن لا يكون من ضمن عمل الملحقية الثقافية رعاية شؤونهم، إذ ستخصص وزارة الخارجية في هذه الحالة، إدارة خاصة منفصلة لذلك تحت مسمى «الملحقية التعليمية « أو «البعثة التعليمية «، حسب مستوى ونوع وكم هذا التعاون التعليمي.
أما وظيفة ودور الملحقية الثقافية، فأمر مختلف تماماً.
ونستطيع أن نجد أمثلة على هذا كثيرة..ترى كم هو عدد الطلبة الأمريكان أو الإنجليز أو الفرنسيين أو الصينيين الذين يدرسون بجامعاتنا؟ورغم هذا فإن لسفارات هذه الدول ملحقيات ثقافية.
فما هو دورها؟بما أننا لا ندعي الاطلاع على « النوايا « الخفية لهذه الدول في تخصيص ملحقيات ثقافية في سفاراتها بالمملكة، أو في أي دولة أخرى ـ خارج المنظومة الثقافية والسياسية للغرب ـ فإننا سنكتفي بما يعلنونه هم من دوافع وأهداف، وما تشهده أعيننا حين ترصد ـ ولو على السطح ـ حركة أفراد هذه الملحقيات.
إذ تراهم يقيمون العلاقات بالجامعات ومؤسسات ومراكز الأبحاث ذات الصبغة العلمية والأكاديمية والثقافية، ويسجلون زيارات لدور الصحف، ويحاولون أن يفتحوا قنوات التواصل وإقامة العلاقات مع العاملين بهذه المؤسسات، ويشاركون في الندوات واللقاءات الفكرية وغيرها من هذه النشاطات.
والهدف في كل ذلك هو الترويج لصورة معينة لبلدانهم من خلال وسائط ثقافية، وإعلامية، وبالاتصال المباشر أيضاً، وذلك لترسيخ صورة معينة عن بلدانهم وشعوبها وثقافتها، تجعل من تفهم وجهة نظرهم من كافة الأحداث أمراً ممكناً، إن لم يكن لصانعي القرار هنا، فعلى الأقل للصفوة، التي بدورها تؤثر في الرأي العام.
ومن يقرأ كتاب «الحرب الباردة الثقافية» الذي أحدث ضجة مؤخراً ليس في عالمنا العربي وحده، بل وفي العالم كله، يدرك مدى خطورة وفاعلية الدور الذي يمكن أن تلعبه المراكز التعليمة التي يتم ربطها بطريقة لا مباشرة بسياسات الدول، التي تستخدم هذه المراكز الثقافية كأسلحة متقدمة في حربها الأيدلوجية وكسب الجولات الفكرية.
والحال أننا في المملكة كنموذج للدول الإسلامية والعربية ـ لا نطمح، ولا نرغب، في توظيف ملحقياتنا الثقافية هذا التوظيف الإمبريالي، ولا نريد أن نغزو أحداً ما غزواً فكرياً، ولا نفكر في السيطرة الفكرية على الآخرين.
بل على العكس، نحن مستهدفون بالغزو ومهددون بالسيطرة.
ونسعى جاهدين كي ندرأ عن مجتمعاتنا هذا الخطر.
وأعتقد أن واحدة من أهم الوسائل في ذلك هي هذه الملحقيات.
وفي خضم هذه العولمة التي تجري على قدم وساق، ما الذي يعرفه الغرب الأوروأمريكي عنا؟ وما الصورة السعودية في مخيلة الإنسان الغربي؟.
لقد تم اختزالنا في ثلاث مفردات تشكل، من ناحية، صورتنا، ومن ناحية أخرى هي العناوين التي تدل علينا وهي: الأماكن المقدسة، والنفط، والإنسـان.
وإذا ما أخذنا كل مفردة من هذه المفردات، وحللنا ظلها على صورتنا في مخـيلة ووجدان الآخر/ الغربي الذي تربطنا به علاقات متشابكة: سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، ولكنها علاقة متوترة، غير مستقرة.
حينها سنعرف ما الذي يعنيه وجود ملحقيات ثقافية للمملكة في بلدان العالم المختلفة.
الملحقيات والخصوصية الثقافية.. في حروب العولمة!
صالح بن سبعان3 دقائق للقراءة

حجم الخط
