تؤدي بائعة القات الصومالية نعيمة محمود ومثيلاتها في المهنة، من حيث تدري أو لا تدري، دوراً في توفير السلاح لمقاتلي تنظيم القاعدة وحليفته حركة الشباب، وتخدير عناصر الجيش الصومالي وتجريدهم من سلاحهم.
القصر الجمهوري
فنعيمة التي تبيع القات أمام القصر الجمهوري في مقديشو منذ 12 عاماً، تبيع الجنود والضباط قاتا وتتقاضى منهم ثمنه عندما يتسلمون رواتبهم بداية كل شهر، إلا أنها عندما تتأخر رواتب الجنود تقصدهم في معسكراتهم وتجري مساومات تحصل في نهايتها على سلاح الجندي المدين لها أو ذخائره، كعهدة ريثما يسدد لها مالها، وإذا تأخر حملت السلاح إلى السوق وباعته إلى مشترين حاضرين دائما، هم عناصر حركة الشباب.
استهلاك مرتفع
وتقول نعيمة لـ “مكة”: أقدم حلولاً للجنود في حال عدم توفر المال لديهم لشراء القات..فجميع زبائني من القوات الحكومية يأتون إلي لأخذ كميات كبيرة من القات بشكل يومي بالأجل..ومن جهتي أنتظرهم حتى نهاية الشهر لتسلم رواتبهم لتسديد الديون المستحقة، إلا أن معظم الجنود في الصومال لا يحصلون على رواتبهم الشهرية بشكل منتظم، وتتأخر لمدة تصل إلى أربعة أشهر أو خمسة في بعض الأحيان، لكنهم في الوقت ذاته يستمرون في تعاطي القات بكميات كبيرة بشكل يومي، ويفوق استهلاكهم معدل رواتبهم الشهرية.
رهن وتمويل
وتتابع نعيمة حديثها: في حال عجز الجندي عن سداد دينه، ألجأ إلى المعسكر الذي يتبع له وأطالبه بدفع المستحقات فيتدخل زملاؤه بإقناعي بأخذ ذخائر أو أسلحة خفيفة حسب حجم الدين، كرهينة إلى حين السداد، لكننا كبائعات للقات ليس في مقدورنا تحمل فترة زمنية أطول، لذلك نبيع الأسلحة والذخائر المرهونة لتلبية احتياجاتنا الحياتية الملحة من طعام وشراب وإعالة أسرنا، وإعادة تمويل ورسملة تجارتنا، لذلك نذهب إلى السوق لبيع الأسلحة والذخائر والمشترون موجودون..إنهم جماعة حركة الشباب وحلفاؤهم.
سوق سواد
والسوق التي تقصدها بائعات القات لبيع ما ارتهن لديهن من سلاح، ما هي إلا سوق سوداء أنشأها تنظيم القاعدة الذي يشتري السلاح والذخائر بأسعار زهيدة، ثم ينقلها إلى مقاتليه في محافظات الصومال.
وكشفت مصادر مطلعة على أوضاع هذه السوق لـ “مكة”، أنها سوق سرية، وما يرد إليها عبر بائعات القات بأسعار زهيدة، من أسلحة وذخائر وزي رسمي للجيش والشرطة، يشتريه تنظيم القاعدة وحليفته حركة الشباب، عبر وكلاء في السوق.
وبعد تجميع السلاح ينقل مباشرة إلى مقاتلي حركة الشباب في المحافظات عبر هؤلاء الوكلاء الذين يشرفون على عمليات النقل والشراء.
وتشير المصادر ذاتها إلى صفقات يعقدها عدد من الضباط في الجيش الصومالي مع سماسرة الأسلحة لبيع أسلحة ثقيلة، بعد ورود طلبات من قادة حركة الشباب عبر وسطاء غير معروفين في السوق...وينتهي كل شيء بسرية تامة.
فك الحصار
ويفيد المتابعون لشؤون القاعدة بالصومال، بأن التنظيم لجأ إلى هذه الحيلة المبتكرة للحصول على السلاح من مصادر محلية، بهدف فك الحصار الدولي المضروب عليه من خلال توظيف المعطيات المحلية لخدمة أجندته، إذ استغل إدمان كثير من الجنود على القات الذي يعرف بـ”المخدرات الخضراء” وانخفاض مستوى دخلهم الشهري، للاستيلاء على أسلحتهم.
تبادل الاتهامات
وكانت منظمات أممية والقيادة الصومالية، تبادلت اتهامات بشأن تسليح تنظيم القاعدة و”حركة الشباب”، إذ اتهمت المنظمات الأممية الجيش بمدهما بالسلاح، ورد الأخير بأن هذه الاتهامات مؤامرة دولية لاستهداف الصومال.
حظر السلاح
وأوصى خبراء في لجنة مراقبة الأسلحة التابعة للأمم المتحدة بإعادة تعزيز الحظر على الأسلحة الموجهة إلى الجيش الصومالي بعد عام من تخفيفه من قبل مجلس الأمن، وذلك بسبب ما سمته لجنة الخبراء الأمميين، انتهاكات ممنهجة ترتكبها الحكومة الصومالية بنقل الأسلحة إلى المتشددين الإسلاميين..وهو الأمر الذي نفته الحكومة الصومالية في تصريحات لقائد الجيش الذي اعتبر الأمر مؤامرة من المجتمع الدولي لاتهام قيادة الجيش بتزويد المتطرفين بالسلاح.
راتب الجندي 160 دولارا وجلسة القات بـ 20
تمتلك الحكومة الصومالية الهشة، قوات نظامية قوامها 40 ألف جندي من شرطة وجيش وأمن.
ويشكل الجيش وحده نحو 50 % من العدد الإجمالي للقوات النظامية، وتنتشر قواته في مقديشو والمدن المحيطة بها في جنوب البلاد ووسطها، حيث تقاتل جيوب ميليشيات تنظيم القاعدة في المنطقة بدعم مباشر من قوات الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في الصومال.
وحددت وزارة الدفاع الصومالية في سبتمبر الماضي، الراتب الشهري للجندي بـ 160 دولارا أمريكيا، وهو يعتبر متدنيا لا يلبي المتطلبات الحياتية للجندي.
ويشكل تدني الرواتب عائقا أمام الجهود المبذولة لبناء جيش قوي قادر على صد هجمات تنظيم القاعدة في الصومال، بجانب الحد من الفساد المنتشر في أوساط ضباط وقيادة الجيش والقوات الأمنية، مما يدفعهم إلى بيع الأسلحة والعتاد الحربي الخاص بالجيش إلى منظمات إرهابية.
ويقول الجنرال المتقاعد عبد الناصر جدو لـ “مكة”: الراتب الشهري يمثل حافزا ماديا يقي الجنود من شر الوقوع في براثن الفساد، إلا أن هذا الراتب على قلته يتأخر شهوراً.
وأذكر عندما كنت في الخدمة، فشلت الحكومة في دفع رواتب الجنود لمدة 7 أشهر متتالية، وكانت هذه أصعب الفترات التي واجهتني في مراقبة الأسلحة التي كانت بحوزتنا، لأن كل جنودنا تقريباً مدمنو قات.
ويرى جدو أن الطريقة الوحيدة للحد من بيع الأسلحة تكمن في دفع الرواتب الشهرية بانتظام، وأن تكون كافية لسد احتياجات الجنود، والحد من انتشار المخدر الأخضر”القات”، واصفا الراتب الحالي للجندي بأنه “رمزي”، ولا يلبي متطلباته الحياتية، والحكومة على دراية تامة بهذا الأمر، لكن المعيب أنها لم تعالج الأمر بجدية، ربما بسبب تفاقم الأوضاع الأمنية في البلاد.
ويلفت جدو إلى أن جلسة القات الواحدة تكلف نحو 20 دولاراً، ويحث الحكومة على اتخاذ تدابير فاعلة لوقف تدفق القات إلى البلاد، مقترحا الاستعانة بجنود مسلحين بالوعي والأخلاق من خريجي المدارس والجامعات الذين لا يتعاطون “القات”.
.. وقوات أفريقية تتورط في السوق السوداء
انغمس جنود من القوة الأفريقية في الصومال في براثن المجتمع ولعبة بيع السلاح الفردي إلى تنظيم القاعدة، إذ اعتقل 40 جنديا أوغنديا من البعثة في أكتوبر الماضي بتهمة بيع الأسلحة والذخائر إلى جهات لم تعلنها الحكومة الأوغندية، إلا أنها ألمحت إلى أنه تم نقل أسلحة البعثة إلى حركة الشباب، ولا يزال التحقيق جاريا، بحسب تصريحات الناطق باسم الجيش الأوغندي في الصومال.
وباع الجنود الأوغنديون أسلحة خفيفة وذخائر فى السوق السوداء يعتقد أنها نقلت إلى حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، فيما خزن جنود آخرون الوقود (البنزين) الخاص بمركبات نقل الجنود المدرعة بغرض بيعه، إذ لجؤوا إلى استخدام مركبات عادية أقل استهلاكا منها بهدف توفير الوقود مما عرض حياة كثيرين من أفراد قوات حفظ السلام إلى الخطر.
وتطول لائحة اتهام الجنود الأوغنديين، إذ اتهموا أيضا بسرقة أغذية ومياه مخصصة لقوات البعثة الأفريقية وبيعها في السوق السوداء بمساعدة سماسرة صوماليين.
عقبة القات بـ 300 مليون دولار سنويا
تشكل عقبة "القات" الذي يعرف في الصومال بـ "المخدر الأخضر" عقبة أمام محاربة تنظيم القاعدة وحليفته المحلية حركة الشباب.
* ينتج القات في دول شرق أفريقيا مثل كينيا وإثيوبيا.
* كلفة القات المستورد 300 مليون دولار سنويا.
* يتعاطى ضباط الجيش والشرطة في الصومال القات بشراهة.
* نسبة الصوماليين المدمنين على القات من الرجال 83 %
* 75 % من المدمنين شباب دون سن الثلاثين من العمر.
المصدر: إحصاءات مكتب مكافحة المخدرات التابع للأمم المتحدة.

