يتعجب المرء كيف نجا من قرار مجلس جامعة أم القرى بعدم إجازة رسالة سعيد السريحي للدكتوراه، المشرف على الرسالة، ولجنة المناقشة التي أوصت علناً بمنح الدرجة، ومجالس القسم والدراسات العليا والكلية التي وافقت على التوصية؟! فالتصديق بالسبب الذي منع المجلس من إجازتها يوقعهم جميعاً في الجرم! وكيف نجت رسالته للماجستير وهي مماثلة للدكتوراه في المنهج والموضوع من أن يعود عليها القرار بأثر رجعي فيلغيها؟! وكيف نجت من المحاسبة إدارة المطبوعات التي أجازتها للنشر، ونادي جدة الأدبي الذي نشرها؟! وكيف نجت نظرية عبدالقاهر الجرجاني في البلاغة التي تُدرس في الجامعة وغيرها وهي فكرة مؤسِّسة في اللسانيات الأسلوبية التي كانت لب المنهج المعترض عليه؟!قرار الجامعة الصادر قبل 27 عاماً، يعيد عدم إجازة الرسالة «لما اشتملت عليه من أفكار وعبارات ومنهج غامض لا يتفق وتعاليم ومبادئ العقيدة الإسلامية، حيث ظهر أن هذه الرسالة متأثرة بمناهج غربية غريبة على قيمنا وبيئتنا ومجتمعنا الإسلامي».
والغموض في فكرة أو عبارة أو منهج لا يصلح ـ بإطلاق - سبباً للانتقاص أو الإلغاء، وإلا لكان مبرَّراً ومشروعاً أن يحمل غير المتخصصين على علوم الفيزياء والرياضيات – مثلاً - لأنهم لا يفهمونها.
وهذا يذكِّرنا بما أورده الشيخ التويجري وحافظ وهبه وغيرهما عن موقف الإخوان الذين حرَّموا الآلات الحديثة، في الأربعينات من القرن الماضي.
أما أن المنهج «متأثر بمناهج غربية» فلست أدري هل ستحسب الجامعة ما اعتادته من تسجيل رسائل الدراسات الأدبية آنذاك في عناوين على شاكلة «فلان حياته وشعره» في سجل المناهج غير المتأثرة بالغربية؟! فالمؤكد أن ما اعتدناه وما لم نعتده من مناهج الدراسات الأدبية وغيرها هو نتاج التقدم النظري الذي لم نستطع الإسهام فيه حديثاً، ونسبته إلى الغرب أو الشرق هو فعل إيديولوجي لا صلة له بنسبته العلمية.
هكذا لا يصلح السبب الذي تذرَّع به مجلس الجامعة لإلغاء الرسالة.
وهذا يعني أن هناك سبباً آخر غير معلن، كما يعني أن الرسالة خالية من أي سبب علمي أو ديني يوجب عدم إجازتها.
أما السبب غير المعلن فلأنها لسعيد السريحي، الاسم الأبرز في مجال الحداثة الأدبية، في حضوره المنبري، ونشاطه الصحفي، وعضويته في نادي جدة الأدبي، ولأن الزمن هو زمن صعود التطرف الديني المعروف بالصحوة.
ومؤدى ذلك أن إلغاء الرسالة ليس جناية على صاحبها، فهي جناية مؤسسة جامعية حكومية ارتهنت لتيار إيديولوجي، وانتهكت من أجله الأعراف والأخلاق العلمية والإدارية وطوَّعت القرار الرسمي!أرأيتم لو أن أحد أبنائنا المبتعثين، وهم يدرسون على يهود ونصارى وملاحدة، عومل منهم مثلما عومل السريحي بسبب إيديولوجي: أي فظاعة يكون مثل هذا الجرم؟! وهل يكفي أن نقيسه بالمقاييس العلمية والأخلاقية؟! وإذا كانت الجامعة قد حرمت أحد طلابها من درجته لرغبة خصومه المتطرفين أو لإرضائهم، فكيف يوثق بمنحها لمن منحتهم؟!إن جامعة أم القرى لم تجن على السريحي بل على كل طلابها وأساتذتها، وعلى التعليم العالي في المملكة.
دكتوراه السريحي
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
