الاستقطاب في السياسة الأمريكية، وصل إلى مرحلة بالغة الخطورة قبل انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونجرس نوفمبر 2014، وهو ما يهدد مسيرة الحزبين “الديمقراطي” و”الجمهوري” بعد قرنين من الزمان، ويضرب التنافس الديمقراطي على أرضية مشتركة من الاتفاق على المبادئ العامة للولايات المتحدة.

هل أخلت الإيديولوجيا دورها للدين؟

لقد أصبح الحزب الجمهوري أسيرا لتحالف أنصار الأصولية الدينية وأصولية السوق، الذين تعززت قوتهم في وقت لاحق بظهور المحافظين الجدد و”حركة الشاي” التي نقلت الحزب إلى اليمين المتطرف، وحاول الديمقراطيون اللحاق بالركب من أجل الاستيلاء على الأرضية المشتركة، وتواطأ الحزبان في ممارسات تقسيم الدوائر الانتخابية للكونجرس.
ونتيجة لهذا، أصبحت الانتخابات التمهيدية التي يهيمن عليها الناشطون في كل من الحزبين الأسبقية على الانتخابات العامة.

فولويل وباكليفي

نهاية السبعينات من القرن العشرين، وبالتحديد في 1979 ظهرت حركة دينية جديدة عرفت باسم “الغالبية الأخلاقية” بزعامة القس جيري فولويل، مؤسس الكنيسة التليفزيونية في العالم والأب الروحي للفضائيات الدينية المنتشرة اليوم.
ومعروف أن فولويل وحركته أيدا انتخاب رونالد ريجان حاكما لولاية كاليفورنيا، ثم رئيسا للولايات المتحدة في 1980، كما أيده في مبادرة الدفاع الاستراتيجي (SDI) التي عرفت فيما بعد بـ”برنامج حرب النجوم” في 1988، وهو البرنامج الذي أسقط الاتحاد السوفيتي السابق ووضع نهاية الحرب الباردة في 1989، كما يقول أغلب المحللين.

الألفية الثالثة

في 1979، أعلن هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير الخارجية‏ الأشهر في مرحلة الحرب الباردة، أن الألفية الثالثة بدأت بالفعل، وأن الصراعات في المستقبل ستكون بين الهويات والأديان، خصوصا بعد نجاح ثورة الإمام الخميني في إيران، وصعود نجم المحافظين في إنجلترا بزعامة مارجريت تاتشر “المرأة الحديدية”، وتحقيق السلام بين مصر وإسرائيل بموجب معاهدة “كامب ديفيد”.

السادات وبيجن

ومعلوم أن كيسنجر هو الذي رتب لقاء فولويل مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيجن، حيث طلبا من فولويل لعب دورا “دينيا” في إنجاح عملية السلام المصرية - الإسرائيلية، والترويج لها في الولايات المتحدة والعالم لكسب مزيد من المؤيدين، وهو الذي شجع الرئيس السادات على إنشاء مجمع للأديان الثلاثة في سيناء.

تأييد القاعدة

واللافت أن فولويل كان من أكبر المؤيدين لتنظيم القاعدة، ورفض بشدة وصف ما حدث في 11 سبتمبر 2001 بأنه عمل إرهابي يستحق الإدانة المطلقة، وعلى حد قوله: هذا هو القصاص الإلهي، لأن المؤمنين لم يغيروا ما بأنفسهم، ولا سبيل للنجاة مما يحدث، وما سيحدث، إلا بالتوبة عن المعاصي، وكأنه يصادق - من حيث يدري أو لا يدري - على مزاعم “القاعدة”، وكل قاعدة، بأنها تنفذ إرادة الله وعدله في الأرض.

عقيدة باكلي

غير أن العقل المفكر الذي صاغ القاعدة العقائدية “للغالبية الأخلاقية” أو قل الحركة اليمينية المحافظة في الولايات المتحدة، ليس فولويل إنما الفيلسوف وليم باكلي “1925 – 2008”، الذي “يعد أهم مثقف في الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بل وروح الفكر الأمريكي المحافظ “، كما يقول المؤرخ الأمريكي الشهير وليم ناش في كتاب “كلمات باكلي”.
أما الصحفي المخضرم جورج فيل، فلخص دوره في حركة المحافظين، التي بلغت ذروتها مع فوز رونالد ريجان بالانتخابات الرئاسية مدتين متتاليتين “1980 - 1988”، بقوله: جميع القصص في الكتاب المقدس تبدأ في سفر التكوين، وجد قبل رونالد ريجان بيري جولد فيتر، وقبل جولد فيتر كانت “الناشينال رفيو”، وقبل “الناشينال رفيو” كان “وليم باكلي”.
في اشارة إلي مقالات باكلي الصحفية الأسبوعية في “الناشيونال رفيو”، التي أسسها في 1955، وأصبحت لسان حال حركة المحافظين.

حركات شعبوية

اللافت أن كلا من الفيلسوف باكلي والسياسي ريجان والقس فولويل، أصبحوا اليوم من الآباء المؤسسين لحركة “حفلات الشاي” وإن لم يستخدم أي منهم هذا التعبير.
وأخيرا، وجد تيار اليمين داخل الحزب الجمهوري ضالته في هذه الحركة، ونجح في توظيفها في الانتخابات التمهيدية التي جرت في الانتخابات النصفية في نوفمبر 2010، من أجل الثأر من الرئيس أوباما وإصلاحاته الاقتصادية، حيث استدعت الأزمة الاقتصادية العالمية تدخلا حكوميا غير مسبوق في الاقتصاد وذلك عبر حزمة الإنقاذ الاقتصادي التي أقرتها الحكومة لدعم البنوك والشركات التي كانت على وشك الإفلاس.
فهل نشهد ظاهرة جديدة في عالم السياسة الأمريكية في 2014، تتجاوز التنظيم الحزبي التقليدي إلي الحركات الشعبوية الأكبر التي لديها “فائض ديني”..وهل أخلت الإيديولوجيا بالفعل دورها للدين؟

ثورة الشاي وطريق الاستقلال

جاءت تسمية حركة الشاي من حادثة تاريخية جرت عام 1773 في ميناء بوسطن التابع وقتئذ لمستعمرة ماساشوستس عندما قام المستعمرون (500 أمريكي) برمي حمولة السفن الإنجليزية من الشاي في المياه احتجاجا على الضرائب التي فرضها البريطانيون.
و»ثورة الشاي» كانت الشرارة التي قادت أمريكا إلى الاستقلال عام 1776، حيث عمت هذه الثورة معظم أنحاء الولايات المتحدة، وانضمت النساء إلى الرجال، وتوقفن عن حفلات شاي العصر، على الطريقة البريطانية، ولأكثر من مئتي سنة، أصبحت «ثورة الشاي» حدثا تاريخيا.

حفلات الشاي والعنصرية

«حفلات الشاي» Tea Party، هي حركة (Movement) وليست كيانا سياسيا رسميا أو حزبا سياسيا، وظهرت بقوة على المسرح السياسي الأمريكي خلال الأعوام القليلة الماضية وأصبح لها مؤيدون بالملايين.
أما الانتشار الواسع والسريع، لها فيعود إلى استخدامها الكثيف لوسائل الإعلام والتكنولوجيا، مثل الصحف والمجلات القريبة من معسكر المحافظين، إضافة إلى «فيس بوك» و»تويتر» و»ماي سبيس» و»البلوغرز»، وقناة «فوكس نيوز» تحديدا، ويكفي أن تضع الحركة علي موقعها الالكتروني بعض التكليفات لأعضائها -الذين يتزايدون كل يوم- حيث توجد خريطة لـ»قوقل» بالمدن والأماكن التي ستشهد المظاهرات المؤيدة لأنصارها، حتى يزحف الآلاف كأسراب النمل الأبيض يلتهمون خصومها وهم يحتسون الشاي!ويرمز «كوب الشاي» إلى المعارضة القوية كتكتيك متعمد ومثير لعواطف الجماهير خصوصا في ولايات الجنوب المحافظة، لكن الفرق الجوهري بين «حركة حفلات الشاي» المعاصرة، و»ثورة الشاي» في القرن الثامن عشر، أن هذه الثورة الوطنية التاريخية لم تكن عنصرية على الإطلاق (رغم وجود العبيد)، بينما تستطيع بسهولة أن تشتم رائحة العنصرية في اللافتات التي يرفعها أنصار الحركة اليوم ضد الأقليات والأديان الأخرى.