لطالما حلمت الشعوب العربية بعد تقلص الاستعمار عنها بنوع من الائْتلاف بشكل أو بآخر، وبحدودٍ تُزال عن الخارطة.
فكانت أقدم المحاولات لشريف مكة حسين بن علي أثناء الثورة ضد الأتراك «الثورة العربية الكبرى والدولة العربية الموحدة» 1916م، ولكن الوحدة ما لبثت أن تفتكت 1917م، ثم تبعها تكوين الجامعة العربية 1945م، بإيعاز بريطاني، فكانت رغم ضعف نتاجها التوحدي واستمرت، ثم بَرِقَ «الاتحاد العربي الهاشمي» غير الاندماجي بين مملكتي العراق والأردن مايو 1958م، وما لبث أن خَفَتَ بعد شهرين بانقلاب الجيش العراقي على السلطة الملكية.
وتزامنت معها الوحدة البرلمانية، بين مصر وسوريا (الجمهورية العربية المتحدة) 1958م، ثم اِنْحَلَّت بانقلاب في سوريا 1961م.
وبعدها لاح «اتحاد الجمهوريات العربية» بين مصر وسوريا وليبيا (السادات، وحافظ الأسد، والقذافي 1971م)، وسرعان ما تبدد باختلافهم على بنود الاتفاق.
وتلاه حلم «ميثاق طرابلس الوحدوي» 1969م، بين مصر والسودان وليبيا، والذي دفن سريعاً.
ثم قام «اتحاد الإمارات العربية» 1971م، وانتخب خليفة بن زايد آل نهيان رئيساً للاتحاد ليكون أقوى وأفضل التحالفات العربية حتى يومنا هذا.
وبعدها سَطَعَت «الوحدة الاندماجية» بين ليبيا ومصر سنة 1972م وأفلت، ثم لاح حلم «الجمهورية العربية الإسلامية» بين ليبيا وتونس (القذافي، وبورقيبة) «بيان جربة» 1974م، وتشَتَّتَ هو أيضاً.
وأعقبه صدور بيان «حاسي مسعود الوحدوي» بين ليبيا والجزائر 1975م، وتفسخ.
ثم برز للوجود «مجلس التعاون الخليجي» 1981م، بين (السعودية، الكويت، قطر، البحرين، الإمارات، وعُمان)، وتبعهم اليمن بشكل جزئي، واستمرت أعماله القليلة الخجلة حتى يومنا.
وبعده لاحت الوحدة الاندماجية بين ليبيا وسوريا 1982م، ولم تتم.
وتبعها «الاتحاد العربي الأفريقي» 1984م، بين ليبيا والمغرب «بيان وجدة الوحدوي» وتفسخ.
ثم تبعه الاتحاد بين الأردن وفلسطين «المملكة الأردنية الهاشمية» 1984م، وانفرط بقرار فك الارتباط 1988م.
وتمادى الحلم في «مجلس التعاون العربي» 1989م، (الأردن ومصر والعراق واليمن الشمالي) لكنه اخْتَفى بانقسام دولهِ في مواقفها من حرب الخليج الثانية 1991م.
وتلا ذلك «وحدة الجمهورية اليمنية» 1990م، واستمرت مفروضة بالنار، وبإفشال محاولة عدن للاستقلال 1994م.
وتعاظم الحلم الخليجي بمبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله 2011م، لتحويل مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد خليجي، فما لبثت سلطنة عُمان في قمة مجلس 2013م، أن هددت بسحب عضويتها من المجلس إذا ما تحول إلى اتحاد.
والوحدة تعني نظاماً مركزياً يحكم عدة مكونات في بلدان متوحدة من شتى الجوانب.
بينما يكون الاتحاد بين عدة دول محتفظة بخصوصياتها وحكمها الذاتي وعلمها وبرلمانها وقضائها، مع اتحاد مؤسستي «الدفاع والخارجية» لتصبح إدارتهما بيد الدولة المركزية، والذي تبقى الدول الصغيرة متوجسة من نتائجه.
والسؤال، الذي يطرح نفسه بيننا كخليجيين، هل سيكون هذا الاتحاد -لو حصل- خيراً علينا؟ وللإجابة عن ذلك نحتاج إلى نظرة عميقة، واستقراء للماضي والحاضر والمستجدات.
فالدول الخليجية أصبحت متباعدة من عدة أوجه استراتيجية وسياسية ونيابية وفكرية وعقائدية وعدلية وحقوقية واقتصادية واجتماعية، وقد كان من الممكن أن يكون اتحادهم ميسراً لو تم التخطيط له منذ بدايات تكوين المجلس، وذلك ببدء العمل المشترك على رسم المخططات الاستراتيجية الخارجية، لتأطير اشتراطات الحرب والسلام، وتغيير الحال والمآل، ومحاولة دمج الشعوب وتقريب النظم الداخلية.
ولكن دولنا الخليجية ظلت تسير على خصوصياتها المتنافرة في بعض الأحيان، وبعزلة تامة عما يحدث في الدول الشريكة لها في المجلس.
كما أن مستويات دخل الشعوب متباينة، وأن الانفتاح الإعلامي والفكري والعقائدي والحقوقي الحالي يختلف يوماً بعد يوم، ويكرس العقبات.
كلنا نتمنى أن يتحقق حلم الاتحاد، لتجمعنا وحدة الثرى الخليجي، والمصير، دون أن يكون ذلك عملاً طارئاً، ولا نتيجة رد فعل لتنامي قوة أعداء إقليميين، وحبذا لو سبقها قرارات عادلة مستشرفة لتقريب الشعوب المتحدة من نقاط وسطية وطرفية فلا تكون المخاطرة بعشوائية، ولا أن ينفرط عقد المجلس الحالي لو فشل الاتحاد لا سمح الله.