منذ ما يزيد عن عشرة أيام؛ تتوالى أرواح أطفال الشتات السوريين؛ زاهقة طافحة بالكَبَد، وقد أحرقهم الشتاء القارس، بعد أن عربد بهم الجوع، وفتكت بهم وبذويهم قلة الحيلة، تترى مشاهد موتهم السريع على شاشات التلفزة، حتى باتوا مشهداً مألوفاً لا يحرك في موات العالم حزناً ولا دهشة.
عالمٌ تبتلع أعينه تلك المشاهد عبر الشاشات في المهاجع المترفة، والردهات الدافئة، ولا بأس من احتساء مشروب ساخن، يستعيد فيه إنسان العالم شيئاً من حيويته بعد يوم أو أيام.
.
من الدعة والفرجة البلهاء، على معاناة بشر.
.
آدميين، تتقاسمهم الحدود والمشاتي، والمنافي الموحشة، وخيام (الاونروا)؛ شارة على إنسانية عالم متهالك على كسب مرضاة الأقوياء.
رُضَّع، وصبية، وشيوخ، ونساء أرامل، وأيتام، ومحرومون، تكتمل بمأساتهم، وأنينهم المقروح، وشكواهم الجارحة؛ تقارير إخبارية لقنوات لا تلبث تكشف مزيداً من العار الإنساني؛ تجاه مكابدات وأوجاع أولئك المحرومين.
جلُّهم مسلمون، وبالتأكيد كلهم بشر؛ كرمهم الله بالآدمية، وخذلهم الإنسان في عالم متوحش، يرى يومياً عريه السافر الفاضح في عيون المشردين، وقد استباحتهم الفاقة، والهوان على الأقربين والأبعدين، وعلى العالم بأناسه، وعلمائه ومفكريه، وضميره الغائب، والمستتر والمعاق.
صورٌ ومشاهد؛ بتنا (نملُّ) كسرها لنمط الملهاة الكونية، التي تواصل استدراج ما بقي من ضمائر الناس؛ إلى هاوية الفراغ السحيق، والترخص المقيت، الذي تسهم الشاشات والقنوات ذاتها في صناعته، ويكفي نصف ميزانياته لتوفير عيش (شبه كريم)؛ يقي أولئك وحشية الشتاء، وموجات صقيع المتوسط الغادرة.
وليست وحشية (زينه وهدى) وقسوتهما الضارية، هي وحدها التي تستثير سؤالاتنا المرَّة، وبحثنا الساذج الغبي؛ عن إنسانية ما.
.
أو ضمير ما.
.
أو قيم ما.
.
تحكم عالمنا، وليست ظلماتهما وتداعياتهما المريعة؛ سوى تنويع على ركام حيّ من الهزائم والويلات والإحباطات، والإكراهات، والشروخ على جسد عالمنا؛ غير أن المثير في تلك الحالة الموجعة وتبعاتها، هو جنوحها إلى الضمور، وتلاشي مشاهدها الجارحة ونتائجها؛ ساعة وُلدت حادثة (شارلي إيبدو)؛ التي بدت وكأنها أيقظت العالم وعواصمه، من سبات طويل، وخدر لذيذ؛ وكأنه لم تكن ثمة مأساة بشر قبلها ومعها، وليس ثمة مأزق إنساني، نرى كل لحظة في مراياه؛ وجه عالمنا القبيح.
ونبض واهن لضميره الكسيح.
فجأة؛ تصبح (باريس) محجة العالم بنخبه وقادته، ويصبح فقدُ (الـ12)، معادلاً لمأساة شعب بأكمله؛ تتقاذفه حدود الدول، ويغتاله شتاء لا يرحم، ويتنكر له نظامه، وتدوزن معارضته إيقاع مناصب مجلسها على جراحه ومآتمه.
مشاهد عبثية؛ يتحدث فيها نغل كـ(نتن ياهوووه).
عن: الإنسان وحقوقه، والإرهاب ومظاهره وأخطاره، والعدالة وموازينها وموجباتها.
.
!؟.
وتصبح مأساة (باريس) جرحاً يستفز مروءة وضمير العالم، فيهبُّ جلُّ قادته مجلَّلين بالسواد، للاحتشاد في ساحة الحرية، في تمثيل رمزي رافض للإرهاب، يبحث عن محفل عدالة، يليق بالفئة الأولى، والطبقة الماسية من البشر.
أما الطبقة النحاسية؛ فيهبها ضمير العالم وشرعيته وصوت العدل فيه؛ إلى ركام ثلجي ضاري القسوة، تُطبخ على موجاته أجساد المشردين وأرواح الضعفاء.
عظام الأطفال المشردين الهشة، ونبض قلوبهم المرتعشة، ووجوههم الطافحة بالبؤس؛ مرايا يرى فيها العالم عاره وعريه القبيح.
خطواتهم الشاردة بين المخيمات في دقائق البث الفضائي، وصوتهم العاجز الجريح؛ تُغيِّبه- في لحظة تاريخية فاصلة- مأساة (باريس)، وقد هبَّ العالم نحو عاصمة الضوء والحرية، ينعي فقدها الأليم.
فجأة تتبارى كل الأصوات؛ معلنةً حضاريتها وإنسانيتها، ومُدينةً للإرهاب، وقواه ومنظماته وأفراده؛ لأنها أدمت عيون الفاتنة (باريس)، وهي مأساة بشعة بحق، وجرم مدان، وتعد على حق الإنسان في الحياة والأمن والحرية بلا شك؛ غير أن ثمة إرهاباً ووجهاً قبيحاً آخر، وخذلانا لمواجع وحقوق البشر في الضفة الأخرى من العالم، على تخوم الهلال غير الخصيب، المتعطش لدفء تلك المشاعر، وظلال تلك المروءة، ونضح ذلك الضمير.
مشهد (باريس) مأساة وقتية وحشية، وغيلة غادرة بحق أبرياء.
.
ولكن المأساة الأفدح هي مشاهد الموت الممزوج بالقسوة والهوان، والصمت والخذلان، في عالم مخيمات اللاجئين السوريين.
الذين يهبهم الصيف الحارق وسكاكين الغبار المالحة؛ لموجات الشتاء المؤلمة، وصقيع المشاعر الجافة الصماء.
.
وإلى الله وحده المشتكى، وإليه الأمر من قبل ومن بعد.
العار في مشهدين
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
