X
سالم الكتبي

هل يعاد رسم مستقبل الوقود الأحفوري؟

الأربعاء - 22 يونيو 2022

Wed - 22 Jun 2022

تسببت أزمة أوكرانيا في تأثيرات عالمية عميقة في مختلف المجالات والقطاعات، ومنها - بطبيعة الحال - قطاع الطاقة، حيث يربط المتخصصون بين ارتفاع أسعار الطاقة جراء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وبين التوجه العالمي المتزايد نحو ضخ استثمارات جديدة في هذا القطاع الحيوي، بما يعني أن هناك معادلات جديدة تتشكل حول مستقبل الطاقة وموقع الوقود الأحفوري في أي خارطة طاقوية بديلة في ظل المتغيرات الجديدة، وهل يتواصل التوجه الخاص بتقليص الاعتمادية على هذا الوقود لمصلحة الطاقة الجديدة والمتجددة الصديقة للبيئة، أم أن عدم جاهزية البدائل بمعدلات ومستويات تكفي الطلب العالمي، يمنح الطاقة التقليدية (النفط والغاز) آمالا جديدة في الحياة والبقاء والاستمرار في صدارة التنافس العالمي على موارد الطاقة لسنوات وربما عقود إضافية يصعب توقع أمدها؟

في تقرير صادر عن باحثين دوليين متخصصين بمجال التغير المناخي، قرأت تحذيرات قوية من المخاطرة بتداعي معدلات الالتزام بخفض التلوث البيئي عالميا، بينما وبحسب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وما وصفه بتسرع دول في الاعتماد مجددا على الوقود الأحفوري كمصدر طاقة بديل بسبب الحرب الدائرة في أوكرانيا بأنه «جنون» يهدد أهداف المناخ العالمية، وأشار إلى أن الإجراءات قصيرة المدى التي تعتمدها بعض الدول لاستبدال مصادر الطاقة الروسية قد «تغلق النافذة» أمام أهداف باريس المناخية.

المعضلة التي يراها غوتيريش وغيره هي أن خفض إنتاج الكربون إلى النصف بحلول نهاية العقد الحالي، قد ينقلب إلى ارتفاع نسبة الانبعاثات بواقع 14% وهذا ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة للقول مؤخرا أمام قمة الاستدامة الاقتصادية «إن المشكلة تزداد سوءا»، وأن حرب أوكرانيا قد عمقت أزمة الوضع المناخي وجعلت منها معضلة متفاقمة.

بلا شك أنه لا يجب بناء تصور مستقبلي حول مجمل الوضع المناخي العالمي من خلال الإجراءات قصيرة المدى التي تتخذها بعض الدول - لاسيما الأوروبية - لخفض اعتمادها على النفط والغاز الروسي، لأسباب واعتبارات عدة أولها أن هذه الإجراءات هي بطبيعتها حلول وقتية قصيرة المدى لضمان عدم توقف عجلة الحياة في هذه الدول، وثانيها أن الحاصل هو استبدال وقود أحفوري بمثيله من موردين آخرين، وبالتالي فالأمر بمجمله قد لا يكون له التأثير المتخيل على خارطة استهلاك الطاقة التقليدية بشكل عام، ثالثها أن هذا الوضع سيسهم من دون شك في التعجيل بخطط الدول نحو رفع مستويات الاعتمادية على الطاقة البديلة وليس العكس، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى وقت سواء لإعداد الخطط وتمرير الموازنات اللازمة لذلك أو ضغط البرامج الزمنية لتنفيذ الخطط القائمة وإعداد خطط جديدة.

لست مع الرؤية القائلة بأن إدمان الاعتماد على الوقود الأحفوري يمثل تدميرا متبادلا لكل الأطراف، لأن هذا «الإدمان» ليس جديدا ولا عابرا ولم يكن نتاجا للأزمة الأوكرانية، التي سببت قدرا كبيرا من الإرباك والاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، ولكنها بالتأكيد لم تنتج هذه المستويات المعتادة من الاعتمادية على الطاقة التقليدية لأن الوضع الراهن لا يرتبط بمعدلات الاستهلاك العالمية، ولكنه يرتبط أساسا بتغير خارطة السوق وعلاقات السوق، واختلاف المصدرين، مع ثبات نسبي في حصص الاستهلاك على الأقل خلال الفترة الراهنة.

ولا شك أن استشعار الدول الأوروبية تحديدا للأخطار الجيوسياسية المترتبة على الاعتماد على مصدر واحد للطاقة، سيدفعها على المديين المتوسط والبعيد للبحث عن بدائل جديدة للوقود الأحفوري، وهذا لا يعني بالضرورة تجاهل سياسات وخطط خفض الانبعاثات الحرارية، وحلول أزمة التغير المناخي آنيا، بمعنى أن الظروف الأخيرة قد تكون -على الأرجح- محدودة التأثير على المناخ، ولكن تبقى المعضلة الأهم في تباين مستويات الالتزام بسياسات خفض الانبعاثات على المدى الطويل، ناهيك عن رفض العديد من الدول الالتزام بالخطط الأممية في هذه الشأن بحلول عام 2030.

صحيح أن هناك توجها لبناء محطات جديدة للغاز المسال في دول غربية عدة، حيث تشير تقارير إلى أن الاتحاد الأوروبي قد خصص نحو 12 مليار يورو لخطوط أنابيب الغاز ومنشآت استيراد الغاز الطبيعي المسال، ضمن خطة «استعادة قوة الاتحاد الأوروبي»، ولكن هذه الخطط تبقى بمثابة بدائل حتمية قصيرة الأجل لحين نشر بدائل الطاقة المتجددة.

الأمر المؤكد أن حرب أوكرانيا قد أثبتت أن الوقت لا يزال طويلا أمام مصادر الطاقة التقليدية، وأن التحول الكامل نحو الطاقة المتجددة يتطلب المزيد من الوقت والجهد، حيث لا يزال العالم بحاجة إلى توازن بين تنفيذ أهداف الأجندة البيئية وبين الحفاظ على أسعار الطاقة من جهة، وبين ضخ الاستثمارات في الطاقة التقليدية وضمان مصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء من جهة ثانية، لاسيما أن ارتفاع أسعار الطاقة -بسبب الحروب أو غيرها من المؤثرات- يدفع باتجاه تباطؤ تنفيذ الخطط البيئية، نظرا للارتباط الوثيق بين أسعار الطاقة ومنسوب شعبية الساسة في استطلاعات الرأي العام وصناديق الاقتراع، وهو ما يمكن ملاحظته في الحالة الأمريكية على وجه التحديد، حيث وضع الرئيس بايدن الأولويات البيئية الواردة في أجندته الانتخابية جانبا وفتح باب التنقيب عن النفط، وبات يفكر كثيرا قبل تنفيذ أي خطوات تتعلق بالأجندة البيئية خصوصا في الظروف الدولية الراهنة حيث يواجه أمن الطاقة في دول صناعية عدة اختبارا صعبا للغاية.

أسواق الطاقة العالمية تشهد تغيرات هيكلية كبيرة، العامل الرئيس فيها حرب أوكرانيا التي غيرت قواعد اللعبة السوقية، وخلقت بيئة جيوسياسية ستؤثر في قطاعات عدة أهمها الطاقة، ولكن كل هذه الظروف ليست ثابتة بل ترتبط بظروف وجودها ويمكن أن تتغير كليا أو جزئيا سواء في حال انتهاء هذه الحرب أو توسعها جغرافيا أو امتدادها زمنيا، وفي كل سيناريو من هذه السيناريوهات سيكون للوقود الأحفوي دور كبير سواء في توجيه بوصلة الأحداث أو دفع كلفتها الاستراتيجية.

drsalemalketbi@