X
ناجح شعلان

الآفاق المستقبلية في تحويل محطات معالجة المياه العادمة إلى منشآت لاستعادة الموارد

الأربعاء - 22 يونيو 2022

Wed - 22 Jun 2022

لا ريب أن استهلاك المياه من قبل البشر سواء في الحياة المدنية أو الزراعة أو مزارع الحيوانات والمصانع ينتج عنه مياه ذات خواص مختلفة فيزيائيا وكيميائيا، وبذلك نقول "إن المياه أصبح ملوثا ولا يمكن استخدامه في هذا الشكل" وكذلك لا يمكن صرفه بشكل خاطئ وإلا يتسبب في تلوث المياه الصالحة الأخرى سواء في المياه السطحية كالأنهار والبحيرات أو حتى الجوفية.

فما بالنا اليوم والبشرية في ازدياد ومعها الثروة الحيوانية والزراعية والصناعية في ازدياد أيضا.

فهذا يعني استهلاك مياه أكثر، بل وإنتاج تلوث أكثر فأكثر. فالتلوث لا يصيب فقط المياه المستخدمة، بل ربما يصيب أيضا أصل المياه ككل عن طريق تسرب المياه الملوث إلى جسم المياه؛ لذا وبعد كل هذه التحديات وجب على العالم بأسره أن ينتبه لما يقترفه من تلوث المياه.

وأن ينتبه من أجل الأمن الغذائي والاستدامة البيئية ومن أجل صحة الكوكب؛ لذا من الخيارات المثلى هي تحويل محطات الصرف الصحي إلى محطات معالجة المياه وتدويرها بالإضافة إلى تحويل محطات المعالجة المستقبلية إلى منشآت لاستعادة الموارد إلى تحول نموذجي.

هذا التحول النموذجي هو تحويل محطات معالجة مياه الصرف الصحي التقليدية من كونها مجرد مرافق لإزالة التلوث إلى منشآت لاستعادة الموارد Resource recovery facilities (RRF).

فمازالت التقنيات في استعادة الموارد في مراحلها التجريبية، ولكن القضايا المرتبطة بكميات الموارد المستردة وتوزيعها وتطبيقاتها لا تزال قيد الدراسات المستمرة.

لذلك سنتناول هنا بعض الابتكارات في تقنيات استعادة الموارد والجدوى الاقتصادية لها وأخيرا آفاق المستقبل وملاحظات ختامية لهذا المقال.

في الحقيقة فقد تم على مدار الـ 25 عاما الماضية تطوير العديد من التقنيات في استعادة الموارد مثال: تكنولوجيا استصلاح المياه، استعادة الوقود الحيوي من مياه الصرف الصحي، استعادة العناصر الغذائية من مياه الصرف الصحي: ستة عناصر غذائية رئيسة وهي الكربوهيدرات (CHO)، الدهون (الدهون)، البروتينات، الفيتامينات، المعادن، والماء. ومع ذلك، فقد اقتصر معظمها على التجارب المخبرية أو المصانع التجريبية (polit-scale) المعروفة جيدا في المجتمعات العلمية فقط.

تكنولوجيا استعادة الوقود الحيوي من مياه الصرف الصحي:

عادة في المياه العادمة هناك إمكانية استعادة الكثير من المواد العضوية، وأهمها الوقود الحيوي.

وتلعب الكائنات الحية الدقيقة دورا مهما في التحولات الكيميائية التي تحول حمأة المياه العادمة إلى مواد كيميائية حيوية مفيدة.

فالظروف الهوائية واللاهوائية ونقص الأكسجين التي يتم الحفاظ عليها عادة في محطات معالجة مياه الصرف الصحي تؤدي إلى إنتاج منتجات مميزة.

منها إنتاج الأمونيا والمزيد من التحويل إلى النتريت والنترات ويتم استرداد الهيدروجين من مياه الصرف عن طريق التحكم في الهضم اللاهوائي للحمأة لتحسين الظروف المواتية للتحلل المائي لتكوين السكريات والأحماض الدهنية متبوعا بالتخمير الحمضي لإنتاج 2H، 2CO، فورمات، ميثانول، أسيتات، وميثيل أمين (Darzi 2020 -Akhlaghi and NajafpourLee et al. 2014).

كما يمكن إنتاج وقود الديزل الحيوي من مياه الصرف الصحي عن طريق حصاد الدهون باستخدام البكتيريا غير الهوائية وبكشط الزيت من سطح المصافي الأولية والثانوية في محطات معالجة مياه الصرف الصحي (Park et al. 2011; Sutherland et al. 2020).

استعادة العناصر الغذائية من مياه الصرف الصحي (Recovery of Nutrients from Wastewater):

يعتبر النيتروجين والفوسفور من العناصر الغذائية الرئيسة الموجودة في مياه الصرف الصحي.

يتراوح إجمالي النيتروجين في مياه الصرف الصحي المنزلية غير المعالجة عادة في حدود 20-85 مجم/لتر، الموجودة في أشكال المواد العضوية أو الأمونيا الحرة.

ويتراوح إجمالي الفسفور بين 4-15 مجم/لتر ويمكن العثور عليه بشكل أساسي في صورة عضوية أو غير عضوية.

ومن مصادر النيتروجين والفوسفور في مياه الصرف هي مجاري الصرف الصحي، ومجارير العواصف، والجريان السطحي الزراعي.

لذلك لا يزال مصدر معظم النيتروجين المنبعث من المزارع هو استخدام الأسمدة التجارية، والتي تمثل حوالي 1% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم و1.4% من استهلاك الطاقة على مستوى العالم (Capdevila-Cortada، 2019).

ويتم إطلاق حوالي 2.867 طنا من ثاني أكسيد الكربون مقابل كل طن من الأمونيا المنتجة، والتي تمثل حوالي 90 % من الانبعاثات على مستوى العالم.

استعادة المعادن من مياه الصرف الصحي (Recovery of Metals from Wastewater):

تعتبر المعادن الثقيلة مثل As،Pb،Cd،Cr، Hg شديدة السمية حتى عند التركيزات المنخفضة.

فهذه المعادن ثابتة وتتراكم بيولوجيا في البيئة، وتتركز على طول السلسلة الغذائية.

علاوة على ذلك عنصر الزرنيخ الموجود في المياه الطبيعية ينتج عنه سرطان المثانة والكلى والرئتين عند التعرض الطويل الأمد.

لذلك تشير التقديرات إلى أن ما بين 35 و77 مليونا من سكان بنجلاديش يستهلكون المياه من الآبار الأنبوبية التي تستغل المياه الجوفية المحتوية على زرنيخ غير عضوي طبيعي (Smith et al., 2000).

بالإضافة إلى أن عنصر الكادميوم المنطلق من نفايات المصهر، ومخلفات الطعام، وتلوث الهواء، ودخان السجائر قد يؤدي التعرض طويل الأمد له إلى ضعف وظائف الكلى.

أما بالنسبة الى عنصر الكروم فيوجد في أشكال سداسية التكافؤ وثلاثية التكافؤ في المياه الطبيعية.

الشكل سداسي التكافؤ هو الأكثر سمية، ومن المعروف أن التعرض الطويل الأمد له يسبب أمراض الأمعاء والمعدة والكبد. ولقد تم استخدام الزئبق في الماضي كمبيد للفطريات.

ولا يزال يتم إطلاقه في جميع أنحاء العالم من المصاهر والغلايات ومحارق النفايات البلدية والصناعية.

بل ويتم تحويل الشكل غير العضوي بواسطة البكتيريا الموجودة في الرواسب إلى ميثيل الزئبق السام، والذي يتراكم في الأسماك ويمرر على طول السلسلة الغذائية إلى البشر (Laki, Nedunuri, and Kandiah, 2019b).

ولقد تم العثور على تراكم بيولوجي في الأسماك والبشر بكمية أكبر من الزئبق غير العضوي (inorganic mercury) في المياه الطبيعية، مما يعرض صحة الإنسان للخطر من خلال آثار مثل الاضطرابات العقلية والترنح وضعف كل من البصر والسمع.

كذلك التعرض لعنصر الرصاص من خلال التربة والغبار ومياه الشرب يؤثر على الجهاز العصبي ووظيفة المخ عند الأطفال الصغار.

وتظهر هنا أهمية استعادة هذه المعادن لسببين أولهما حماية الصحة العامة والآخر الاستفادة من هذه العناصر ويمكن أن يتم استعادة المعادن من مياه الصرف الصحي من خلال عدة عمليات.

اقتصاديات استعادة المعادن:

من المهم الآن معرفة مدى جدوى استعادة المعادن من مياه الصرف الصحي ونتطرق لبعض التجارب التي تم في هذا المجال.

ففي عام 2015 قام ويسترهوف بتحليل مياه الصرف الصحي الأمريكية لـ 58 عنصرا (Westerhoff et al. (2015)). احتوت على عناصر أرضية نادرة مثل (Y, La, Ce, Pr, Nd, Sm, Eu, Gd, Tb, Dy, Ho, Er, Tm, Yb, and Lu) هي مشتقة من البيئات الطبيعية مثل التربة أو الغبار.

كذلك تم اشتقاق معظم عناصر مجموعة البلاتين (Ru, Rh, Pd, Pt) من مصادر بشرية المنشأ.

ووجد انه بالنسبة لمجتمع يضم مليون شخص، تم تقييم المعادن الموجودة في المواد الصلبة الحيوية (biosolids) بما يصل إلى 13 مليون دولار أمريكي سنويا.

و أظهر التحليل أن 14 عنصرا (Ag، Cu، Au، P، Fe، Pd ، Mn ، Zn ، Ir ، Al ، Cd ، Ti ، Ga ، Cr ) هي الأكثر قيمة، بقيمة مجمعة 280$/ طن من الحمأة (US $280/ton of sludge).

ولكن تعتمد ربحية المعادن المستعادة على امتصاصها للحمأة (sludge) وإثرائها في التطبيقات الصناعية وقابليتها للتسويق.

آفاق المستقبل وملاحظات ختامية:

حتى الآن اقتصرت الابتكارات في استعادة المياه والطاقة والأسمدة والمعادن من مياه الصرف الصحي في الغالب على نطاق المختبر أو دراسات المصنع التجريبية.

فلقد ناقش Kehrein et al (2020) المشكلات التي تحول دون نقل التكنولوجيا باعتبارها اقتصادية وبيئية واجتماعية بطبيعتها في المقام الأول.

فيرتبط علم الاقتصاد بتكاليف العملية وكميات الموارد وجودتها، والقيمة السوقية، والتطبيق، والتوزيع. وترتبط الجوانب البيئية بالانبعاثات والتلوث والمخاطر الصحية.

علاوة على ذلك فالقضايا الاجتماعية هي قبول منتجات الاسترداد من قبل المجتمع.

يجب أن ينتقل مفهوم الإدارة من اعتبار هذه المرافق محطات تخلص من نفايات فقط إلى صناعات استعادة الموارد.

وعلى الرغم من أن الهدف لا يزال هو تلبية أو تجاوز معايير جودة المياه، فيجب أن يكون هناك تحول نموذجي في تعديل العمليات التقليدية لاستكشاف استعادة المنتجات ذات القيمة السوقية.

ويجب أن تدمج العديد من التعديلات على عمليات الصرف الصحي التقليدية بهدف استعادة الموارد عناصر الجدوى المالية في تقييمات الجدوى الاقتصادية التقليدية.

كما يجب أن يكون عائد الاستثمار (ROI) هدفا إضافيا بالإضافة إلى الهدف الحالي لمعالجة مياه الصرف الصحي كخدمة للمجتمعات وحماية البيئة.

تعد الحصة السوقية للمورد، وقبول العميل لمورد معاد تدويره، ووفورات الحجم، واللوائح الحكومية والإعانات من بين العديد من المتغيرات المالية التي يجب أن تأخذها محطات معالجة مياه الصرف الصحي في الاعتبار.

وسيكون الانتقال التدريجي لتقييم الأداء باستخدام المؤشرات المالية ضروريا للتنافس مع الشركات التي تنتج نفس المنتج.

وعندما تخطط محطات مياه الصرف الصحي لاستعادة الموارد المتعددة في منطقة ما لاستعادة نفس المورد، فذلك يزيد من قوة السوق الجماعية، حيث تمثل وفورات الحجم للشركات الفردية.

وأخيرا لن يصبح الوقود الحيوي المستخلص من محطات معالجة مياه الصرف الصحي البلدية اقتصاديا إلا إذا تمكنت الدول والحكومات من تقديم إعانات للتنافس مع الإمدادات التجارية وتلك التي تنتج وتوزع الفحم التقليدي والغاز الطبيعي والبترول، فالنفايات السائلة الناتجة عن معالجة المياه العادمة تحتوي على محتوى حراري مرتفع ويتم حاليا تبديدها في البيئة.

لذلك يجب أن تركز محطات معالجة مياه الصرف الصحي على استعادة هذه الحرارة المفقودة.

فيمكن لشركات الطاقة العمل مع محطات معالجة مياه الصرف الصحي لتحقيق الحياد الكربوني كجزء من النهج الاقتصادي والقائم على السوق لتداول الكربون، بل ويمكن تطبيق نفس الفلسفة على مرافق إنتاج الأسمدة للنظر في وحدات استعادة موارد المياه العادمة كشركاء لهم في الحفاظ على المغذيات وبالتالي تقليل بعض آثارها البيئية.

لذلك فقد حان الوقت لإجراء نقلة نوعية في الطريقة التي ندير بها مرافق المعالجة من خلال دمج قابلية تسويق واستدامة الموارد المستردة في مراحل التصميم والتخطيط والتنفيذ لهذه المرافق، ولتنفيذ ذلك يجب التشجيع:

  1. إلى تحويل محطات معالجة مياه الصرف الصحي كمرفق أساسي لاستعادة الموارد بالتنفيذ الميداني للتقنيات المبتكرة من أجل الأمن المائي والاستدامة البيئية.

  2. السعي إلى تغيير نظرة المجتمع لتقبله إعادة تدوير مياه الصرف الصحي وتدوير الموارد المستعادة منها.

  3. سن القوانين الضابطة لتحويل محطات معالجة مياه الصرف الصحي كمرافق أساسي لاستعادة الموارد.

  4. تشجيع رؤوس الأموال في الاستثمار في هذا المرفق الهام، ليس فقط من أجل المكاسب، بل من أجل البيئة أيضا.



وفي الختام كل الشكر والتقدير لكرسي بنك البلاد للأمن الغذائي والاستدامة البيئية، جامعة الملك فيصل، المملكة العربية السعودية والذي قدم المبادرة.