X
فهد عبدالله

اللهاث الاستهلاكي

الثلاثاء - 21 يونيو 2022

Tue - 21 Jun 2022

بمجرد التأمل قليلا في كثرة المعطيات والمدخلات التي نتفاعل معها في اليوم والليلة في هذا العصر المتسارع الذي تجد نفسك فيه - إن صحت العبارة - بأن قائمة المهام والتفاعلات التي تستهلك الزمن لديك قد لا تنتهي أبدا وإذا انتهيت من شأن ستجد نفسك تلقائيا منشغلا في شأن آخر سواء من صنع خططك الخاصة أو تفاعلا مع خطط الآخرين، المهم أن وتيرة مستهلكات الوقت لا تهدأ، وهذا يعود كما أسلفنا لطبيعة هذا العصر المتسارع والمتخم بالواجبات التي لم تكن كذلك لربما في عقود زمنية سابقة وكذلك لكثرة الأدوار والمسؤوليات التي يجد الإنسان نفسه محاصرا فيها سواء كان من تلقاء النفس أو بضغوط الخيارات الشبة جبرية التي أفرزتها الأدوار الاجتماعية المتعددة.

والأمر الآخر الذي يتعاضد مع مسألة ديمومة الانشغال والاستهلاك الزمني هي تلك الحالة التصنيفية لتلك المشاغل والاهتمامات التي لا تكاد تخلو من عناصر الاهتمام الثلاثة (الأشياء – الأشخاص – الأفكار).

في الحقيقة ما دعاني أكتب هذا المقال هو أن عالم الأفكار أو البحث عن سؤال «من أنا؟ وكيف؟ وماذا؟ ولماذا؟ وإلى أين؟» يخفت وجوده ويتضاءل عندما يكون الإنسان في حالة لهاث استهلاكي للزمن في عالم الأشياء والأشخاص. لذلك ستكون الآثار السلبية على الفرد متراكمة وتقلل من إمكانية الوجود النوعي للإنسان لكونه في حالة ركض ترددي من أجل تحقيق الاحتياجات دون وجود وجهات نوعية، أما على المجتمع فسيكون هناك محدودية وأسقف متعددة للتمدد الحضاري المنشود والسبب بكل بساطة أن المجتمع ما هو إلا مجموع أفراده الذي تشملهم كل تلك المستهلكات الزمنية.

يمكنك أخذ مقطع عرضي لأحد الأيام التي يتكرر فيها الروتين الاستهلاكي لديك وأعتقد أنك ستتفهم معنى مستهلكات الوقت التي قد تلحقك لربما حتى في المنام، لربما سيشعر المرء لوهلة بعد تراكم الزمن والحالة الاستهلاكية التي ذكرناها آنفا بأن هناك حيزا شاسعا من الحياة لم تتردد عليه القدم كثيرا، وفي الزوايا خيوط العنكبوت نسجت على تلك المعاني التي تجعل من وجود الإنسان إنسانا وترتقي به في معايير الأرض والسماء.

السؤال المحوري والذهبي كيف يمكن الجمع بين متطلبات الحياة المتعددة والتي تشدنا للأرض وبين تلك الحالة الروحية الفكرية المنشودة والتي تشدنا للسماء؟ إجابة السؤال بشكل نموذجي أعتقد أنه صعب بالنسبة إليّ، ولكن أعتقد أن مجرد حضور السؤال وتثبيته في أعلى صفحة الاهتمامات وانتهاز فرص الخلوات للتأمل والتدبر والتفكر في الأسئلة الوجودية هي الطريق لتتبع تلك الإجابة النموذجية.

ابن طفيل في رواية (حي بن يقضان) الرواية التي استحقت بأن تكون من عيون الفلسفة التي تجاوز أثرها تعبيد مسارات الفكر الأوروبي في القرن السابع عشر، وكانت ولازالت من أجمل الأمثلة في جانب سياحة الأفكار وتجاوزها الحدود الدينية والثقافية واللغوية، الرواية تحكي قصة مولود وجد في جزيرة خالية من البشر وكيف بدأ في استهلاكه للوقت بدون وجود لتأثير البشر من خلال الوصول إلى الحقيقة بالعقل الخالص دون الاعتماد على نبي أو وحي أو معرفة سابقة، من خلال التأمل في الظواهر الطبيعية.

استطاع فيها ابن طفيل أن يسقط فلسفته وتصوراته في الوجود وكيف يصل بالإنسان بأن يحيا الحياة الطيبة من خلال مسألة التأمل والتدبر وعدم التعارض بين الوحي وما يفضي إليه العقل ووحدانية الإله الخالق إداركا وإيمانا.

الرواية أعتقد بأنها سبيل لتنوير تلك الزوايا التي نسجت عليه خيوط العنكبوت في داخل الإنسان ويمكن لها عمل الاستثارة المطلوبة للحد من تأثير مستهلكات الزمن على إجابات الأسئلة الوجودية الخاصة بشخصك الكريم.

@fahdabdullahz