في الخامس من ديسمبر الماضي عينت السعودية محمد الماضي محافظا جديدا في منظمة أوبك خلفا للمحافظ السابق ياسر المفتي والذي عاد لبيته الأساسي في أرامكو ليتولى مهاما جديدة.
قد يبدو هذا الخبر عاديا، فالكل يأتي ويذهب، ويتعاقبون على المنصب، وهذه سنة الحياة.
ولكن الجديد في هذا المحافظ أنه صيني.
بالطبع الماضي ليس صيني “الأصل والمنشأ” ولكنه صيني من ناحيتين:
1 - هو صيني من ناحية التعليم، إذ إنه تحصل على درجة الدكتوراه في هندسة البترول من جامعة بكين، وهو بذلك على غير عادة من سبقوه في هذا المنصب أو حتى غالبية المسؤولين في وزارة البترول والثروة المعدنية الذين تخرج غالبيتهم من الولايات المتحدة التي كانت يوما ما السوق الأهم لنفط السعودية ولباقي دول أوبك. ويقول بعض المقربين من الماضي إنه يتحدث الصينية بطلاقة.
2 - هو صيني من ناحية خلفيته العملية.فرغم أن الماضي أمضى آخر أيامه الآسيوية في كوريا قبل أن يتولى منصبه الجديد في أوبك، إلا أنه قضى فترة طويلة في الصين قبلها، حيث عمل في فرع أرامكو السعودية هناك لمدة خمس سنوات قبل أن ينتقل إلى كوريا الجنوبية كمدير عام لفرع الشركة في 2012.
لماذا الماضي ولماذا الصين؟
مع توجه الولايات المتحدة الجديد لتقليل وارداتها النفطية والاعتماد على الإنتاج المحلي الذي ازداد في الأسابيع الماضية ليصل لمعدلات لم يصلها منذ 1988 بفضل النفط الصخري، أصبحت آسيا اليوم وخاصة الصين السوق الأهم والأكبر لكل منتجي أوبك.
فاقتصاد الصين ينمو بشكل متسارع وما زالت في حاجة لنفط أوبك لسد الطلب على المصافي الجديدة التي يتم بناؤها هناك.
ومن بين كل ثلاثة براميل تنتجها أرامكو السعودية يتم شحن اثنين منها إلى أسواق آسيا.
وتستورد الصين ما يقارب من 1.2 مليون برميل يوميا من النفط السعودي، بحسب إحصاءات مصلحة الجمارك الصينية، وهو ما يعادل 17 % من إجمالي صادرات المملكة.
واستحوذت السعودية على حصة 20 % من سوق النفط هناك في العام الماضي، أي أن خمس النفط الذي تستهلكه الصين يأتي من حقول السعودية.
وعلى هذه الخلفية كان من المهم أن يأتي المحافظ الجديد من وسط ذلك السوق الذي يريد الكل خطب وده.
فالماضي رجل “سوق” مهمته الأساسية كانت تسويق النفط السعودي في الصين وكوريا.
ولذلك هو يفهم تماما كيف يفكر الزبائن هناك وماذا يحتاجون.
والقريبون من أسواق آسيا أصبحوا في ازدياد داخل أوبك، إذ إن العراق عينت كذلك علي نزار ممثلا وطنيا لها في أوبك وهو يعمل كمسؤول عن تسويق النفط العراقي في آسيا.
صراع أوبك على السوق الصينية
ليست السعودية وحدها التي تتجه للصين وآسيا فهناك العراق التي شنت حملة تسويق كبرى في الصين مقدمة العديد من المغريات للزبائن هناك.
وتبلغ صادرات العراق إلى الصين في العام الماضي نصف حجم صادرات السعودية إليها والبالغة ما يقارب من 1.2 مليون برميل يوميا، إلا أن العراق تخطط لزيادتها بنحو الثلث تقريبا.
وكان نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة حسين الشهرستاني قد أعلن في كوريا العام الماضي أن الصين طلبت من العراق توفير ما بين 900 ألف إلى مليون برميل يوميا من نفطها للسوق الصيني، ولكن محافظ العراق في أوبك الدكتور فلاح العامري أوضح أن السوق الصينية ستتلقى على الأرجح 850 ألف برميل كحد أقصى نظرا لعدم جاهزية مشاريع توسعة البنية التحتية للتصدير.
وإضافة للعراق والسعودية، تظل الصين السوق الأهم للكويت والإمارات العربية المتحدة وعما قريب باقي دول منظمة أوبك، التي ستبحث عن أسواق جديدة في ظل انكفاء أمريكا على نفسها، وضعف الطلب في أوروبا التي أقفلت عددا كبيرا من المصافي في العام الماضي بسبب تآكل هوامش الربح.
ويبني العراق آمالا كبيرة على السوق الصينية لتسويق الكميات الإضافية التي تسعى لإنتاجها، ويحاول جاهدا مزاحمة باقي المنتجين من خلال توفير النفط بأسعار مخفضة أو تنافسية للمشترين الصينيين.
النفط السعودي يدخل في عام التنين
رغم الأهمية التي تحظى بها الصين كشريك تجاري للسعودية اليوم إلا أن الغريب في الأمر أن هذه الشراكة حديثة جدا.
فحتى أواخر التسعينات من القرن الميلادي المنصرم، لم تكن السعودية تصدر برميلا واحدا للصين بحسب ما أوضحه وزير البترول المهندس علي النعيمي العام الماضي في إحدى جولاته الآسيوية.
وبدأ النفط السعودي في الوصول إلى مرافئ الصين في 2000 وهو عام التنين بحسب التقويم الصيني.
وفي 2007 نمت العلاقة النفطية بين الدولتين بعد أن دشنت أرامكو السعودية وساينوبك الصينية وإكسون موبيل الأمريكية مشروع مصفاة فوجيان في الصين للتكرير وإنتاج البتروكيماويات، والتي تقع في مدينة جوانزو.
والمصفاة قادرة على معالجة 240 ألف برميل في اليوم من الزيت العربي الخام الحامض.
وتطورت العلاقة أكثر عندما دخلت ساينوبك كشريك في 2012 في مصفاة ياسرف التي ستبدأ الإنتاج العام الحالي.
وعلى صعيد التبادل التجاري، لا تزال الشراكة بين البلدين حديثة، إذ لم تكن الصين من بين أكبر 20 شريكا تجاريا للسعودية حتى 1993 (عام الديك في التقويم الصيني)، بحسب الإحصاءات الرسمية المعلنة.
ولكن بدءا من 1994، ظهر اسم الصين ضمن الشركاء العشرين الكبار عندما احتلت المرتبة 19 خلف الإمارات العربية المتحدة بحجم تبادل أقل من مليار دولار.
وظلت التجارة بين البلدين تنمو منذ ذلك العام إلى أن وصلت إلى 75 مليار دولار في 2012 لتصبح الصين ثاني أكبر شريك تجاري للسعودية بعد الولايات المتحدة.
وهذه قفزة كبيرة، ودليل على مدى أهمية الصين المتنامية.
الماضي والسنوات الخمس
تحمل السيرة الذاتية للمحافظ الجديد العديد من الأمور الغريبة، أولها هو أنه بدأ حياته العملية بعيدا عن قطاع النفط، وثانيها أن اسمه متطابق بالتمام مع الرئيس التنفيذي الحالي لشركة سابك، إذ يحمل الاثنان نفس الاسم الأول والأخير.
أما الغريب الآخر، أن الماضي من النادر ما استمر في وظيفة ما لأكثر من خمس سنوات ولعل هذه هي السمة الأبرز في مشواره العملي.
وبدأ الماضي مشواره العملي عندما التحق بعد تخرجه من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بفرع البنك السعودي الفرنسي في الدمام 1983 على وظيفة مسؤول الائتمان.
وفي 1988 التحق بالشركة السعودية للكهرباء كمنسق للميزانيات الرأسمالية، ليقترب بذلك خطوة من أرامكو السعودية التي التحق بها 1991 في قسم التخطيط بعيد المدى بنفس مسمى وظيفته السابقة.
وفي 1996 انتقل إلى وحدة تحليل الأعمال التابعة للشركة كمحلل أعلى للطاقة.
وفي 2001، أي في بدايات نمو الطلب الصيني على النفط السعودي، انتقل الماضي إلى قسم تسويق وإمدادات النفط على وظيفة مدير التسويق، ولعل هذه الوظيفة كانت فاتحة عينه على سوق النفط الآسيوي وعلى زبائن السعودية.
وفي 2007 بدأ الماضي رحلته الآسيوية واقترب أكثر من زبائن أرامكو عندما التحق بشركة البترول السعودية الصينية التابعة لأرامكو كنائب للرئيس الإقليمي قبل أن يحط رحاله في كوريا 2012.
محافظو السعودية السابقون في أوبك
ياسر المفتي(مايو 2012 ـ ديسمبر 2013)
رغم قصر المدة التي قضاها ياسر المفتي في المنصب إلا أنه كان أحد أهم المحافظين الحاليين في المنظمة إلى جانب الكويتية سهام رزوقي التي تركت المنصب العام الماضي كذلك بعد أن تقاعدت من وزارة النفط الكويتية.
والمفتي الذي أمضى عاما ونصف العام كمحافظ لأوبك ليس جديدا على عالم المنظمة، فقد سبق أن كان الممثل الوطني للسعودية في أوبك لبضع سنوات في منتصف العقد الماضي.
ويصفه بعض المقربين منه بأنه كان أحد أكفأ الأشخاص الذين يمكن أن تعينهم المملكة في هذا المنصب.
أما عن سبب رحيله، فكان بحسب روايات المصادر لأسباب شخصية.
وبعد تخليه عن المنصب في ديسمبر الماضي، تولى المفتي منصبا جديدا في أرامكو السعودية يقوم من خلاله بالإشراف على استراتيجية تحول أرامكو، وهي الخطة التي تنفذها الشركة لتتحول من مجرد شركة نفط إلى شركة طاقة متكاملة.
وبعد تخرجه من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، بدأ ياسر رحلته العملية كمهندس في شركة شلمبرجير للحفر وخدمات الحقول، قبل أن يلتحق بأرامكو السعودية والتي تدرج فيها بسرعة هائلة بين العديد من المناصب الاقتصادية والفنية والتسويقية.
فمن الناحية الاقتصادية عمل كمستشار لتوقعات الطاقة في أرامكو إضافة إلى عمله في السنوات الأخيرة كمدير في إدارة التخطيط بعيد المدى.
وفنيا عمل المفتي كمدير لمعمل الغاز في الحوية، ومديرا لإدارة حقن مياه البحر في الحقول، ومديرا لخدمات الإنتاج في منطقة الأعمال الجنوبية لأرامكو، والتي يندرج تحتها أهم وأكبر حقول الشركة كأبقيق والغوار.
وعمل مديرا للتسويق في شركة أرامكو لأعالي البحار المحدودة، وكمحلل للتسويق في أرامكو السعودية.
ماجد المنيف(أكتوبر 2003 ـ مايو 2012)
يختلف ماجد المنيف عن كل من أتوا بعده بأنه لم يأت من خلفية فنية أو تسويقية للنفط، إذ إنه جاء من خلفية أكاديمية بحتة في الاقتصاد.
فالمنيف الحاصل على الدكتوراه في الاقتصاد من الولايات المتحدة، كان أستاذا للاقتصاد في جامعة الملك سعود في الرياض لأكثر من 17 عاما من 1982 إلى 1999.
والتحق المنيف بعالم النفط في أحد أهم وأصعب السنوات على السوق العالمية، إذ بدأ عمله كمستشار في وزارة البترول وفي أرامكو السعودية في يونيو 1990 أي قبل شهرين فقط من غزو العراق للكويت.
وظل المنيف على هذا المنصب لمدة 23 عاما، تقلد خلالها العديد من المناصب الأخرى كعضويته في مجلس الشورى لتسع سنوات من يناير 2005 حتى مطلع 2013.
وكان المنيف عضوا في العديد من الهيئات الاستشارية السعودية أو الخليجية، كما ترأس جمعية الاقتصاد السعودية.
ولعل أبرز المحطات في مسيرته العملية هي توليه منصب محافظ السعودية في أوبك 2003 حتى 2012، ثم تعيينه في مطلع 2013 كأمين عام للمجلس الاقتصادي الأعلى الذي يترأسه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
وكانت آخر محطات المنيف العملية هي تعيينه في أواخر 2013 عضوا في مجلس إدارة أرامكو السعودية للمرة الأولى.
كما أن المنيف هو مرشح السعودية الرسمي حتى العام الماضي لمنصب الأمين العام لمنظمة أوبك، هذا الترشيح الذي أثار جدلا كبيرا نظرا لكون الصراع محتدما على المنصب بين العراق وإيران والسعودية ولم يتم التوصل إلى نتيجة له، ولم يتم تسمية الأمين العام القادم حتى عامنا هذا.
سليمان الحربش (فبراير 1990 ـ أكتوبر 2003)
أمضى سليمان جاسر الحربش المولود في الرس 1942 نحو 13 عاما في منصبه كمحافظ للسعودية في أوبك، إلا أن بدايته مع عالم النفط كانت أقدم من هذا بكثير.
بدأ الحربش مشواره العملي قبل أن يتم مشواره الأكاديمي، حيث التحق بوزارة البترول والثروة المعدنية 1962، أي قبل أربع سنوات من تخرجه من جامعة القاهرة بدرجة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية.
ثم حصل على درجة الماجستير من جامعة ترينتي في تكساس بالولايات المتحدة 1974.
وفي 1990 تم تعيينه كمحافظ للسعودية في أوبك حتى أكتوبر 2003.
وبعد تركه لمنصب المحافظ تم اختياره في نوفمبر من نفس العام ليكون المدير العام لصندوق أوبك للتنمية (الاوفيد)، وهو المنصب الذي لا يزال يشغله حتى لحظة كتابة هذه السطور.
وتنقل الحربش بين العديد من المناصب داخل الوزارة، والتحق بالعديد من مجالس إدارات الشركات النفطية والتعدينية في السعودية، وكانت سيرته الذاتية حافلة وثرية جدا.
وكان الحربش حاضرا في أغلب المناسبات النفطية المهمة خلال السبعينات والثمانينات الميلادية، وهي أكثر الفترات صعوبة في تاريخ النفط، وهو ما أكسبه خبرة واسعة في فهم السوق ومتغيراته.
ولم ينقطع الحربش عن حضور اجتماعات أوبك من 1974 إلى 2003، وهي الفترة الأصعب في تاريخ المنظمة، عندما كانت الخلافات تهدد استقرارها واستمراريتها.
وفي 1968 حضر الحربش في العاصمة الهندية نيودلهي المؤتمر العام لمنظمة الاونكتاد، وكان حينها أصغر ممثل رسمي سنا يحضر الاجتماع.
وهي التجربة التي يراها الحربش في غاية الأهمية، حيث فتحت عينه على كثير من الأمور.
ويعرف الحربش داخل أروقة أوبك بأنه شديد وسريع الغضب، ولعل هذه هي السمة الأكثر شهرة عنه من خلال حديث كل من عملوا معه أو عاصروه.

