يستبسل الثوار السوريون في بلدة يبرود للحيلولة دون سقوطها بيد نظام الرئيس السوري وحلفائه من مقاتلي حزب الله، لأنهم يدركون أنها خط الدفاع الأخير عن الثورة في القلمون.
فالبلدة الواقعة في ريف دمشق ولا تبعد كثيرا عن الحدود مع لبنان، تشهد الآن إعادة لسيناريو جارتها بلدة القصير التي استمات النظام وحلفاؤه في محاولة الدخول إليها متكبدين خسائر جسيمة، نظرا إلى أهميتها الاستراتيجية بما كانت تشكله من معبر لإمداد الثوار في المناطق الشمالية.

تداعيات الانهيار

والآن تدور رحى المعارك في يبرود التي تؤدي دور القصير نفسه، وتعتبر الحصن الأخير للثوار وسقوطها يعني - بحسب المحللين العسكريين والاستراتيجيين- فتح الطريق أمام انهيارات عسكرية أخرى في ريف دمشق عموما وحتى في جبهات حمص شمالا وحوران جنوبا.
ويؤكد عضو الهيئة التنفيذية للكتلة الوطنية الديموقراطية السورية ومسؤول مكتب الثقافة والإعلام فيها نبيل البرادعي: من المبكر الحديث عن سقوط يبرود، ولكن إن حصل ذلك فلا يعني إطلاقا نهاية الثورة السورية، ولن يُشكل رافعة للنظام وحلفائه، فالعمل العسكري لا يشكل إلا جانبا واحدا من هذه الثورة التي تمثل رفض الشعب لهذا النظام وسعيه الدائم من أجل سورية جديدة خالية من الإرهاب والظلم والفساد.

دعم منتظر

ويضيف البرادعي وهو من أبناء يبرود: على الرغم من عدم التكافؤ بين القوات المدافعة عن المدينة والقوات المشتركة للنظام وحزب الله المدعومة بالطيران والمدرعات والمدفعية بعيدة المدى، أثبت الثوار بسالة منقطعة النظير، وحرموا المهاجمين تحقيق أي مكسب - ولو كان بسيطا- على الأرض، ناهيك عن الخسائر الفادحة التي تكبدتها تلك القوات في الأرواح والمعدات.
ومع ذلك فإن نتيجة المعارك مرهونة بما يمكن للمعارضة أن تقدمه من دعم للكتائب المدافعة عن المدينة، فلا يمكن لتلك الكتائب أن تصمد إلى الأبد بأسلحة خفيفة وذخائر متناقصة في وجه قوات مدججة بالأسلحة ومدعومة إقليميا بكل الإمكانات.

قيادة موحدة

وفي الجانب العسكري، وخلال التطورات الأخيرة، وحدت المعارضة السورية كتائبها لمواجهة هجمة النظام السوري وحزب الله في القلمون، بتشكيل غرفة عمليات “القيادة العسكرية الموحدة في القلمون”، بعد توافد كتائب وألوية أخرى مساندة لغرفة عمليات ريما السابقة التي وجدت بعد سقوط مدينة النبك.
وأوضح المركز الإعلامي للقيادة العسكرية الموحدة في القلمون لـ “مكة”، أن هيئة الأركان السورية ووزارة الدفاع الموقتة لم تتواصل مع غرفة العمليات العسكرية الموحدة في القلمون، ولم تقدم أي دعم عسكري أو لوجستي أو استخباراتي للمقاتلين، حتى لم يجر أي اتصال من قبل أعضاء من الائتلاف السوري المعارض، وإنما انحسر الأمر بوصول تعزيزات من الكتائب الإسلامية المقاتلة القريبة من المنطقة.

معارك شرسة

وقال الناطق الإعلامي باسم تنسيقيات الثورة بالقلمون تيم القلموني، إن معارك شرسة يخوضها الثوار ضد النظام على أطراف مدينة يبرود كل يوم وسقط نتيجتها 36 شهيدا حتى الآن، ولا يوجد اشتباكات داخل المدينة، ومع ذلك يعمد النظام إلى قصف المنازل بالدبابات وراجمات الصواريخ وطيران السيخوي، وذلك للضغط على الثوار.
وأضاف: بلدة السحل المحاذية للطريق الدولي الرابط بين دمشق وحمص، تتعرض لقصف ممنهج بالبراميل المتفجرة بشكل مستمر، ولا صحة لسيطرة قوات الأسد عليها، أما فيما يخص بلدة فليطة الحدودية مع لبنان، فكانت هناك محاولات يومية من ميليشيا حزب الله للتسلل إليها واقتحامها، إلا أن الثوار يتصدون لهم ويكبدونهم خسائر فادحة.

162 قتيلا

إلى ذلك، أكد بيان صادر عن القيادة العسكرية الموحدة في القلمون، أن حصيلة القتلى والمصابين بين صفوف النظام وحزب الله خلال الأيام الماضية تجاوزت 162قتيلا، بينهم 47 من حزب الله وثقفت أسماؤهم ومنهم قياديون أبرزهم حسن الحج علي، ووحيد العيساوي، وقاسم رؤوف علوه، وأنس رومية.
ومن جانبه، نعى حزب الله مقتلهم، إضافة إلى عشرات الجرحى الذين نقلوا إلى المستشفيات الحكومية القريبة من النبك ودير عطية.
وأضاف البيان: الكتائب المقاتلة استطاعت تدمير 14دبابات أغلبها بصواريخ مضادة للدروع “كونكورس”، وتدمير 3 مدافع فوزديكا والقضاء على طاقمه، وتدمير 4 جرافات مجنزرة، واستهداف 5 باصات من كتيبة الهندسة قرب قرية القسطل، وعدة سيارات تابعة لحزب الله اللبناني بينها سيارة ذخيرة، واغتنام خمسة صواريخ كونكورس ومدفعي هاون عيار 120 مع مجموعة من القذائف، وأسلحة فردية من رشاشات بي كي سي وكلاشنكوف.
ونعت قيادة غرفة العلميات العسكرية المشتركة في القلمون استشهاد قائدها حسين جمال عبدالعزيز الملقب أبو علي اليبرودي، إضافة إلى ثمانية شهداء آخرين سقطوا أثناء المواجهات.

 

متنفس الثوار ومعبرهم إلى لبنان

أوضح الخبير العسكري اللبناني العميد المتقاعد طارق سكرية، أن منطقة القلمون عامة ويبرود خصوصاً، تشكل متنفسا ومعبرا للثوار وإمداداتهم من لبنان وإليه، وهي تشكل ضغطا عسكريا على دمشق وطريق دمشق – حمص.
وقال: في حال سقوطها بيد حزب الله ونظام بشار الأسد، فإنها ستطوق عرسال اللبنانية، وستضعف إمداد المعارضة بالعتاد والرجال، وستمنع تسلل الثوار السوريين، وتعقد عملية نزوح المدنيين من منطقة القلمون إلى لبنان.
وأضاف أن الأهمية الأخرى هي ما يشكله موقعها من خطوط خلفية داعمة لقوات المعارضة المحيطة بدمشق العاصمة، والمناطق المحيطة والمحاذية، ويأمل النظام بأنه إذا ما سيطر على المدينة فسيمكنه ذلك أولاً من تأمين إمداداته للشمال، وقطع أي إمدادات لمقاتلي الغوطة حول دمشق، ومن ثم التفرغ لقوات الجيش الحر جنوباً في محافظة درعا التي توشك أن تخرج من يد النظام نهائياً.

 

.. وفيها يخوض حزب الله معركة وجوده

زعم حزب الله اللبناني في سياق تبريره لوقوفه مع نظام بشار الأسد، أن السيارات المفخخة التي تفجر في مناطق نفوذه في لبنان تفخخ في يبرود، إلا أن الوقائع والتحليلات تدحض تلك المزاعم والتهم.
ويقول الناشط السياسي اللبناني معتز فخر الدين، إن حزب الله لم يتوان منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة عن التدخل إلى جانب قوات الأسد بقمع الثورة في العديد من المناطق السورية من الشمال وصولاً إلى الجنوب كما في الشرق، وهو يتدخل الآن في يبرود، معتبراً أنها معركة حياة أو موت، معركة وجود أو لا وجود.
وأضاف: هذا يدخل في صلب مشروع الهلال الشيعي الذي تعمل عليه إيران منذ نجاح الثورة الإسلامية (1979)، وكان يحتاج في كل مرة لتبرير تدخله في سوريا إلى حجج أقرب ما تكون إلى الوهم، تارة بالدفاع عن القرى الشيعية التي بقيت مئات السنين دون أن يتعرض لها أحد، وطوراً بحماية المقدسات والمراقد، والآن يبرر تدخله في يبرود تحت شعار محاربة الإرهاب والتطرف والتكفير والسيارات المفخخة المرسلة إلى لبنان، لعدم وجود شيعة أو مرقد ديني في المدينة.
وتابع فخرالدين: ما لم يقله حزب الله، ولن يقوله بطبيعة الحال، هو أن معركة يبرود لم تعلن عمليا من أجل منع السيارات المفخخة من الوصول إلى لبنان، بل لعله يعلم أنها قد تزداد بعد المعركة، ولكنها معركة يحتاج إليها النظام من أجل المؤتمرات الدولية.
وذكر فخر الدين، أن المعركة ليست في يبرود فقط، وليست من أجل المراقد أو عيون بشار الأسد، بل هي ثارات من عمق التاريخ بين العرب والفرس، هذه معارك من السهل أن تبدأ، ولكن من المستحيل أن تنتهي، ومن أشعل نارها هو ذلك القابع في قم (مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي) وذاك الجندي في ولايته حسن نصرالله.

 

مصيف زنوبيا وكهوف ما قبل التاريخ

تعتبر مدينة يبرود التي تبعد عن دمشق 80 كلم شمالا، وعن حمص 80 كلم جنوبا، من المدن السورية القديمة الضاربة في التاريخ، إذ عثر فيها على أقدم الكهوف التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، كمغارة وادي سكفتا.
وتقع يبرود بين أحضان جبال القلمون المتاخمة لجبال لبنان الشرقية، حيث تتألف جبالها من ثلاث هضاب تتجه من الغرب إلى الشرق، وتحيط بها من أغلب جهاتها جبال شاهقة تعلو رؤوسها تيجان صخرية تكاد تنفرد بها، من أبرزها: جبل مارمارون وجبل العريض وجبال الجرد الشرقي لسلسلة الجبال السورية.
ويعتبر مناخها باردا جدا في الشتاء ومعتدلا باردا نوعا ما صيفا.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن ملكة تدمر زنوبيا كانت تصطاف فيها.
ويقول الباحث السوري نور الدين عقيل في تعريفه للمدينة: يبرود كلمة آرامية ورد ذكرها في كتابات الرقم الفخارية في بلاد ما بين النهرين، وأصبحت في العهد الروماني مركزا عسكريا، ويستدل على ذلك من بقايا أحد الحصون الرومانية الذي ما تزال بقاياه ظاهرة.
وأضاف: كنيسة يبرود تعتبر من أقدم المعالم الأثرية في سورية، ففي بداية الألف الأولى قبل الميلاد أصبحت المدينة مركزا لإحدى الممالك الآرامية في سوريا وبلاد الشام، وازدهرت هذه المملكة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وفي ذلك العهد بني أكبر وأفخم معابد الشمس في البلاد وسط المدينة، بحجارة ضخمة منحوتة من الصخر، محاطا برواق محمول على أعمدة طويلة رشيقة أسطوانية غاية في الجمال والإبداع، ما تزال بعض قواعدها ظاهرة للعيان حتى وقتنا هذا، كذلك حجارته القاعدية الضخمة التي تبلغ أحجامها حدود المتر المكعب.

المدينة دينيا

كانت سوريا إجمالا تدين بالمسيحية وبعض الديانات الأخرى خاصة الوثنية، وبعد الفتوحات الإسلامية بدأ الإسلام ينتشر فيها.
وتفخر المدينة بتعايش سكانها دون تمييز حيث يتعايش الإسلام والمسيحية جنبا إلى جنب.

نهضة يبرود

شهدت يبرود نهضة صناعية وعمرانية وسياحية وتجارية ضخمة منذ نهاية الثمانينات في القرن الماضي وحتى 2010، حولتها من بلدة صغيرة إلى مدينة تعتبر ثاني أكبر المدن الصناعية في سوريا، حسب إحصاءات وزارة الصناعة السورية واتحاد غرف التجارة السورية، كما تعد من أوائل المدن السورية التي تمتلك أكبر نسبة من عدد سكانها من ذوي الدراسات العليا أو الدراسات الجامعية وبجميع الاختصاصات.

 

أهمية يبرود الاستراتيجية

عدد عضو الهيئة التنفيذية للكتلة الوطنية الديمقراطية السورية ومسؤول مكتب الثقافة والإعلام فيها نبيل البرادعي، الأسباب التي تكمن وراء الأهمية الاستراتيجية ليبرود واستماتة نظام الرئيس السوري بشار الأسد للاستيلاء عليها بالآتي:1 - دحضها وتكذيبها لمزاعم نظام الأسد عن حماية الأقليات.
2 - تعد ثاني أكبر مركز صناعي في سوريا بعد حلب .
3 - تمكنها من تصنيع أنواع من الذخائر والقاذفات للثوار.
4 - تاريخها الثقافي والحضاري.
5- تنوعها الديني واستمرار التعايش بين المسلمين والمسيحيين فيها.