عندما تكون الغايات عظيمة فإن الأعمال ستكون عظيمة وجادة ومخلصة، وعندما تكون الغايات (صغيرة) ومحدودة فإن الأعمال ستكون قليلة ومختصرة ومرتبكة.سعة الفضاء تلهم طيور الإبداع التحليق والغناء، كما أن ضيق الأفق يحبس العصافير في أغصان أشجارها الساكنة.
بالتأكيد، إن تلك البيانات الكونية غمرتني بألم، وأنا أقرأ ما أوردته صحيفة الحياة (الخميس المنصرم)، المتعلق بتقرير حكومي رسمي، أفصح عن «عدم استقبال السعودية أي سائح أجنبي على الإطلاق في 2013، وأن أكثر من عشرة ملايين تأشيرة أصدرتها السعودية في العام ذاته، خلت من أي تأشيرة سياحية»، وقد اعتبر مسؤول بارز في الهيئة العليا للسياحة أن ذلك التقرير أمر طبيعي، لأن السعودية - وهي تستهدف السائح المحلي، بجعل السياحة الداخلية وجهته المفضلة عن السفر لخارج البلاد- غير مهتمة بالسائح الأجنبي (في المرحلة الحالية)! هكذا، يأتي التقرير صادما، ثم تعليق المسؤول (السياحي) صادما ومحبطا، ومستفزا لمداخلته ومقاربة دلالاته وتداعياته من خلال جوانب (عدة)!فبالنسبة (للتقرير)، فإن خبر غياب السياح (بالمرة) عن بلادنا، كارثي (إلى أبعد درجة)، ويفصح عن خلل كبير في المشهد الثقافي والحضاري المحلي، فمعنى عدم وجود أي سائح مقبل إلى البلاد، أن بلادنا تفتقر إلى عوامل جذب الإنسان الآخر إلينا، أي إن بلادنا لا تمثل للآخر أي شيء، يمكن أن يكون جميلا وجاذبا ومحفزا لرغبة الإنسان (الطبيعية) في اكتشاف حضارة الآخر! بمعنى؛ إن الآخرين متفقون على افتقار بلادنا إلى أية قيمة جمالية (على الإطلاق)!كما أن هذا التقرير يؤكد عدم تناغم الذهنية السياحية لدينا مع المنظومة السياحية العالمية، وأهداف منظمة السياحة الدولية التي تقصد إلى: (نقل الخبرات والتجارب الدولية بين الشعوب -الإسهام في بناء القدرة الإنسانية على الاندماج في الحضارة الكلية -تعزيز الشراكة في التنمية السياحية للعالم كله..) وهذا يعني أن بلادنا غير قادرة على تحقيق أهداف إنسانية إيجابية (عالمية)، تخولها للانتماء إلى العالم وحضارته ومنظومة الجمال الجاذب لدى إنسانه.
ومن جهة أخرى، فإن القوة الاقتصادية وقوة الأثر الديني، اللتين تمتلكهما بلادنا، لم تستثمرا على الإطلاق في خلق ثقافة وفنون وآداب وبيئات سياحية مغرية أو محفزة لدخول بلادنا في الذهنية الإنسانية السياحية على الإطلاق! وهذا ما هو حادث بالفعل!أما عن تعليق المؤسسة السياحية على ذلك التقرير الصادم، ألم يكن من الأجدر أن يبرر ذلك المسؤول غبن ذلك التقرير بأي مبرر، يدل على الأقل على أنه لا يتجاهل القيم الإيجابية والسلبية المتفق عليها في الذهنية البشرية؟ومن جهة أخرى أفلا يعرف هذا المسؤول أن بلدانا إسلامية عربية خليجية لا تبعد عنا سوى بضعة كيلومترات، يرتادها الملايين من السياح كل عام؟! (بلغ عدد السياح في دبي خلال العام الميلادي المنصرم ما يقارب 10 ملايين سائح، وفي قطر مليوني سائح!).
ما الذي وجده هؤلاء الـ 12 مليونا هناك ولم يجدوا شيئا واحدا منه على الأقل هنا؟!وفي الجانب المقابل، أفلا يعلم هذا المسؤول وهو يؤكد أن هدف الهيئة العليا السياحية هو جعل السياحة الداخلية خيارا وحيدا للمواطن السعودي أن عدد السياح السعوديين في دبي مليون سائح (في العام ذاته فقط)، من بين 10 ملايين (في العالم كله)، وفي قطر أكثر من ربع مليون سائح!، رغم أن (ربوع بلادي علينا بتنادي..بالأغاني الطفولية البريئة..فقط!).
أزعم أن المسألة مسألة ثقافة بالمقام الأول والأخير! وإن غابت الثقافة عن الذهنية المسؤولة (كما هي غائبة عن الذهنية)، فإن ذلك يفضي إلى غياب كل الشروط الحضارية والجمالية، التي تجعل لمفردة (سياحة) قيمة ومعنى!أي سياحة (يمكن أن تكون) بغياب أجناس الثقافة والفنون..وبعدم انسجام عمل المؤسسة السياحية مع عمل المؤسسات الأخرى ذات الصلة (الدينية - الإعلامية - الثقافية - التعليمية - النقل والمواصلات - الشؤون البلدية والقروية..)؟!لا شيء مستحيل علينا، ويمكن -مثلا- أن ننتظر على الأقل (عُشر) السياح في دبي، على أبواب بلادنا العام المقبل، متى ما أردنا، لو أننا فقط اشتغلنا على أمرين، أولهما: حل أزمتنا مع الفنون الجميلة، وثانيهما: استثمار جماليات جبال فيفا أو سهول تهامة (فقط..فقط)..! ولكن يبدو أننا لا نريد، أو (بالأصح) لا نهتم، ونردد دائما «ويش يعني ما جانا أحد؟!».