X
عبدالرحمن فهد العبدالمنعم

الحوكمة من التاريخ إلى الترسيخ

الاثنين - 03 يناير 2022

Mon - 03 Jan 2022

وضعت الشريعة الإسلامية أسس التعاملات المالية بما يتكفل بحفظ حق كل أفراد المجتمع، وسنّت في ذلك الحقوق والواجبات، وأقامت الحدود لضبط التجاوزات، وقد حرص النبي ﷺ على إرساء هذه القواعد في المعاملات، فقد جاء في الحديث الشريف: (استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأزد على صدقات بني سليم، يدعى: ابن الأتبية، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم، وهذا هدية، فقال رسول الله ﷺ: فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا، ثم خطبنا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا، والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقه، إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: اللهم، هل بلغت؟)، ومن فوائد الحديث: بيان حرصه ﷺ على الرقابة الذاتية، والتحذير من استغلال مركز العمل لتحقيق مكاسب شخصية.

وفي إطار استشعار عظم المسؤولية والقيام بها يقول ﷺ: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، فالأدوار موزّعة، والمهام مقسّمة، وكل يقوم بما أوجبه الله عليه.







ومن عهد الرسول ﷺ حتى عهد من بعده توسّعت الرقعة الإسلامية، وكانت الفتوحات في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله- عنه قد بلغت الآفاق، فامتدت دولة الإسلام حتى جاورت أفغانستان والصين شرقا، والأناضول وبحر قزوين شمالا، وتونس غربا، وبلاد النوبة جنوبا، واقتضت الحكمة وضع تنظيمات لهذه الدولة المترامية الأطراف حتى تستمر وتقوى، وقدر لعمر بن الخطاب -رضي الله- عنه أن يكون رائد هذا التنظيم بما استوحى من نهج النبي محمد ﷺ وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-. وقد تطرأ مستجدات على أوضاع المسلمين السياسية والاجتماعية والاقتصادية بفعل احتكاكهم الحضاري بشعوب البلدان المفتوحة، ونمو الدولة المتوالي، فكان على حاكمها أن يتابع هذا التطور في النمو.

التفت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في بادئ الأمر إلى تنظيم مركز القوة الدافعة في بلاد العرب، ثم عمل على توثيق الروابط بين أجزاء الدولة وتأكيد تضامنها، ويمكن القول إن التطور الذي طرأ على أجهزة الحكم في عهده يعد نقلة نوعية في إطار بناء الدولة بما يتجاوز مفهوم العرب لها.

فهو أول من بادر إلى إرساء دعائم القوانين التجارية، وتأسيس أنظمة الوقف، وإنشاء الخزينة العامة (بيت المال)، واعتماد التقويم الهجري، وإجراء إحصاء سكاني، وتعيين ولاة لمساعدته في تطبيق هذه القوانين، سعيا منه إلى ترسية نظام الحكم وتجويد دعائمه.

تتالت بعد ذلك الأنظمة وتطوراتها عبر الأزمنة حتى أعقاب الأزمة العالمية المالية، ففي عام 2008 ظهر مصطلح جديد يسمى "الحوكمة"، وكانت نشأته في بيئات الشركات المساهمة، حيث إنه يسعى إلى توفير الضمانات اللازمة للحدّ من عمليات الاحتيال، والتسبب في الأزمات المالية التي تنشأ على إثرها أزمات اجتماعية. وتعرّف الحوكمة بأنها: "نظام يتم بموجبه إخضاع نشاط المؤسسات إلى مجموعة من القوانين والنظم والقرارات التي تهدف إلى تحقيق الجودة والتميز في الأداء عن طريق اختيار الأساليب المناسبة والفعالة لتحقيق خطط المؤسسة وأهدافها وضبط العلاقات بين الأطراف الأساسية التي تؤثر في الأداء".

ولم تكن المملكة العربية السعودية بمعزل عن التطورات العالمية، ففي عام 2016م انطلقت رؤية ٢٠٣٠، وانبثق منها برنامج التحول الوطني 2020 ضمن برامج تحقيق الرؤية، وحمل معه العديد من المبادرات الواعدة التي بلغ مجموعها ٣٨ مبادرة، ومن أبعادها: (تعزيز التنمية المجتمعية وتطوير القطاع غير الربحي)، وتضمن هذا البعد: (حوكمة المنظمات غير الربحية وتصنيفها).

"وقد ساعدت الحوكمة الرشيدة على دفع عجلة الازدهار الاقتصادي الناتج من جذب الاستثمارات المحلية والدولية من خلال بناء الأطر التشريعية والتنظيمية لحفظ حقوق المساهمين والأطراف المعنية، والتي حققت وجود مراجعة محكمة ومحايدة للأداء المالي دون وجود احتمالية لتعارض المصالح".

وتظهر أهمية الحوكمة في إرساء قواعد العدل بين العاملين في كيانات هذا القطاع وحماية حقوقهم، وكذلك ضمان استمرار عمل منظمات القطاع غير الربحي، وحمايتها من الانهيار الذي يتسبب في خسارة أصحاب المصلحة من المؤسسين والعاملين وغيرهم، كما تحمي المنظمات من الاتهام بشتى صوره وأشكاله.

لذا فمن الواجب على العاملين في هذا القطاع الإيمان بدورهم العميق تجاه الحوكمة لصيانة المنظمات ورفع إنتاجيتها.

الأكثر قراءة