قبل أن يبدأ الدكتور محاضرته، اعتاد على أن يتحدث عن سلوكيات خاطئة يراها في المجتمع، وقص علينا القصة التالية:كنت ذاهبا إلى مشروع الملك عبدالله لسقيا زمزم لإحضار ماء زمزم لي ولأقاربي، وكانت تلك هي المرة الأولى لي في هذا المكان، وحينما وصلت استقبلتني أعداد المنتظرين لدورهم حتى تصرف لهم عبواتهم الخاصة، حتى إن صف الانتظار وصل لخارج سور المشروع، وكلهم على كاونتر واحد، بينما البقية مغلقة ولا تعمل.
وبينما كنت في صف الانتظار رأيت بعض المظاهر من التعامل الذي لا يليق من موظفين يعملون في مثل هذا المشروع العظيم، وسوء إدارة، حتى وصل الدور إلى أحد الحجاج الذي كان قد نسي إثباته الشخصي ومعه إثبات ابنه الذي أحضره عن طريق الخطأ على ما يبدو، فصرخ في وجهه الموظف ونهره بشدة.
فتعاطفت معه وأخبرته بأن ينتظر قليلا وسيعطيه من نصيبه الشهري من ماء زمزم، وحينما أتاني الدور فوجئت من أن المشروع يعمل بطريقة تقنية حديثة، حيث إن تعامل الموظفين مع قاصدي زمزم لم يتح للعقل مجالا أن يتخيل أن هنالك تقنية خلف كل هذه الفوضى والسلوكيات الخاطئة.
كان الدكتور يحكي بحرقة قلب وأسى على مدينة مكة التي تقدم هذه الخدمات بطريقة لا تليق بحجاج بيت الله الحرام وضيوف الرحمن، الذين كانت سقايتهم عبر التاريخ شرفا تتنازع عليه بطون قريش، ثم انتقل أمرها إلى عبدالمطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتقلت بعد ذلك إلى ابنه العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام وبقيت في العباسيين حتى انشغلوا بأمور دولتهم وأوكلوها إلى آل الزبير، ثم أشرك الزبيريون معهم آخرين للقيام بأمور السقاية، وأطلق عليهم فيما بعد لقب الزمازمة.
ومع أنه كان يحكي بحرقة قلب، كنت أرى ومع الأسف أن ما يحكيه هو أمر عادي جدا، فقد اعتدنا على رؤية هذه السلوكيات الخاطئة في كل مكان، واعتدنا على رؤية طوابير الانتظار في كل مكان لتعكس بطء أي دائرة أو مؤسسة، واعتدنا أت نرى التجاوزات الخاطئة من مرتادي هذه الدوائر أو موظفيها.
وأما زمزم فمع الأسف الشديد أن ما يجري في مشروع الملك عبدالله هو أهون بكثير مما يجري في محطة التعبئة اليدوية التي انتقلت من كدي إلى الصفا، حيث لا توجد مواقف للسيارات، وضخ مياه ضعيف نسبيا، وهناك سوء تنظيم وغير ذلك من مشاكل يندى لها الجبين..
ومع هذا كله قد لا يعلم الدكتور أن من الأسباب وراء افتتاح مشروع الملك عبدالله لسقيا زمزم هو أن يكون حلا للازدحام واحتكار ماء زمزم من قبل بعض الجاليات والمتاجرة به.
وحديث الدكتور جعلني أتساءل عما حققه المشروع من هذه الناحية، فما زلنا نرى احتكارا في محطات التعبئة، وما زلنا نعاني من طول الانتظار من أجل تعبئة مياه زمزم، وما زال الواقع أقل من المأمول، وأما المتاجرة بماء زمزم فقد ازدادت وتصل أسعار العبوات في مواسم الحج ورمضان إلى أكثر مما كانت عليه في السنوات الماضية.
تساؤلات كثيرة تجتاحني، هل حقا مشكلة السقاية في هذا العصر لا حل لها، وأنه علينا أن نتقبل كل هذه الأخطاء؟ هل عند هذا التطوير الحالي ستقف رحانا وعلينا الاستسلام للأمر الواقع؟ أين دور الزمازمة في هذا الموضوع؟ ولماذا لا يتم إشراكهم في عملية التطوير؟ ولماذا بئر جعلها الله سبيلا منذ آلاف السنين يصعب على أهل مكة الشرب منها ولو بمقابل مادي؟ قد لا أنتظر إجابات على أسئلتي بقدر ما أنتظر حلا واقعيا وملموسا.