في صباح أحد الأيام كان الهدوء يخيم على المدينة إلا من صوت العصافير، اخترق سماء المدينة شهاب ناري سُمع دويه وكأنه صوت طيارة حربية تقترب من فوق سطح المدينة، ثم حصل الارتطام! هز أرض المدينة فعلا وصوتا، جعل الناس تستيقظ مرتعبة تبحث خارج نوافذها عن سبب هذا الصوت وهذه الهزة، قام الكل على غير عادة قبل الوقت ليذهبوا إلى أعمالهم ويتباحثوا عن سبب الهزة وأن ما جرى لهم هو نفسه الذي جرى للآخرين.
بدأت الأخبار تنتشر في الراديو صباحا وفي التلفاز وفي أجهزة الجوال أنه نيزك صغير نسبيا ارتطم في شارع «التحلية» وشكل حفرة كبيرة وعميقة.
لقد كانت الحادثة غريبة على المدينة لم تحصل مسبقاً، قامت الشرطة بأوامر عليا سريعا بإحاطة المكان وإغلاقه بشبك وعلامات عدم الاقتراب ولكن هذا لم يمنع الناس من الحضور إلى ساحة الحدث، أناس كثير جداً، عائلات وشباب من مختلف الطبقات الاجتماعية، كلهم يجمعهم الفضول والشغف بمعرفة هذا النيزك الذي سقط.
يقترب الناس ليجدوا صخرة كبيرة لونها رمادي قاتم فيها فتحات صغيرة مثل الحفر وتجويفات متوسطة.
نيزك يشبه سطح القمر وتخرج منه رائحة غاز غريبة، وكانت الصخرة كبيرة بحجم سيارة جمس سوبربان عرضاً وطولاً، والحفرة التي في الأرض أكبر من حجمها قليلاً، لقد كانت عميقة أيضاً بالنسبة للشارع.
خرجت إشاعات كالعادة سريعاً في الـ(واتس اب) والبلاك بيري وفي مواقع التواصل الاجتماعي أن الرائحة التي تخرج من الصخرة هي غاز يسبب تشوها على المدى البعيد، وأن المخلوقات الفضائية أرسلت هذه الصخرة حتى تقوم بعملية إبادة بيولوجية بطيئة حتى لا نشك، وبعضهم كذب هذه الإشاعة بحجة أن الحفرة مرت على أنبوب مجاري وكسرته لذلك تخرج هذه الرائحة في الشارع طوال اليوم.
لم يعر أحد انتباها للإشاعات، ما يهمهم هو هذا الحدث الجديد نفسه، لم يقم حتى الآن أحد بلمس النيزك خوفاً منهم بأن يحتوي على قوى خفية.
قام المسؤولون بوضع عداد ساعة تنازلي يخبر الناس عن موعد اليوم الذي يريدون فيه نقل النيزك إلى منطقة عسكرية صحراوية حتى إذا كانت له مضاعفات مؤذية يكون منعزلا وحتى لا يعطل حركة السير، وضعوها بشكل واضح وبدأ العد التنازلي كان الرقم موضوعا على 200 يوم وكانت الناس تتفرج بحزن على الأرقام وهي تنقص، إنهم يريدون هذا النيزك في مكانه فمنظره يبعث على السرور، شيء من خارج الأرض، كانت العوائل دائماً تتجمع حوله لتناول العشاء في الهواء الطلق، مرت الأيام وتناقص العدد 150 يوما، 100 يوم، 50 يوما، يوم، في اليوم الأخير المتبقي، تجمع الناس حول النيزك لتوديعه.
حركة العسكر كثيرة وهناك سيارات ضخمة واقفة بالقرب من النيزك، وفي تمام الساعة 12 ليلا وفجأة أعاد العداد نفسه بطريقة مريبة، تتحرك الأرقام وتتشقلب على الجهاز على مرأى من الناس جميعاً وتعود إلى 200 يوم! هبت صرخة وسط الحشود وسؤال: ما الذي يحصل هنا؟ أخبر الجنود المسؤولين بسرعة على أجهزتهم اللاسلكية والجوالات، جاءتهم أوامر بإخلاء المكان، وبدؤوا بالتحرك في دفع الجمهور والقول له: عودوا إلى المنازل لدينا أوامر بذلك هيا.
تحرك الناس وانفضوا وهم في رعب ودهشة.
دارت النقاشات في اليوم التالي حول غرابة الحدث، بدأت الإشاعات تدور حول وجود قوى خارقة لدى النيزك تجعل من العداد يعكس العد لأنه يريد البقاء هنا، واحتمال أن يكون جاء من أوامر عليا تأتيه من الفضاء.
في اليوم التالي صدر قرار من المسؤولين أننا سنترك العداد يكمل 200 يوم أخرى من أجل الناس لأنهم يريدون بقاء النيزك والتمتع به، وهذه هدية خاصة من الدولة، استمر الحال كما هو عليه والناس تندفع وتتمشى حول النيزك والحفرة، وبدأ العد التنازلي مرة أخرى.
في اليوم الأخير تجمع الناس بكل لهفة مندفعين، وحضورهم هذه المرة أكثر من المرة الفائتة، ينتظرون لحظة الساعة وفي تمام الساعة 12 ليلاً عادت مرة أخرى الساعة والعداد وانعكست الأرقام بطريقة سريعة حتى عادت إلى الرقم 200.
صرخ الناس وبدؤوا بالتحرك بخوف مسرعين كل إلى سيارته تاركين الساحة خالية.
وفي اليوم التالي صدر قرار بترك النيزك كمعلم سياحي من الفضاء الخارجي ووضع الإطارات حوله وتزيينه ببعض الكشافات ليصبح مثل الدوارات التي تشتهر بها المدينة، وكان القرار تكريما للناس بأن يبقى النيزك وأن تبقى الحفرة كما هي.
النيزك والحفرة.. وقصة التكريم
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
