X
إبراهيم جلال فضلون

الثُلاثية السورية هل يفرقها «التطبيع»؟

الثلاثاء - 23 نوفمبر 2021

Tue - 23 Nov 2021

معروف أن هناك «علاقة استراتيجية» بين دمشق وطهران منذ 1979، وبعد 2011، انتقلت إلى مرحلة جديدة، إذ أن تدخل إيران العسكري المُباشر وعبر تنظيماتها أسهم في «بقاء النظام»، قبل أن يأتي التدخل العسكري الروسي ليلعب «دور المُنقذ ثم المُنتصر»، حيثُ تغيرت الرهانات الآن، والتي تتشكل وفق معطيات الأرض والقوة المُحركة لها، فمنذ تولي بايدن المُحاكي المبكي لخطط وإدارة أوباما المكلوم، تتخذ أمريكا من سياستها تلابيب الأرض وفق دراستها لتحركات إيران، فمثلا حينما عمقت إيران من تموضعها الاستراتيجي في الشرق الأوسط عبر الباب السوري، بهدف «حماية الحديقة الخلفية» للعراق، كبوابة لبيروت و»حزب الله»، لتضع لها قدما تراقب منهُ تهديدات إسرائيل وحربها الالكترونية الخفية، والتي وضعت الأخيرة «خطوطا حمراء» و»لاءات» ضد قواعد إيران، وعبرها يصل النظام الإيران إلى مياه البحر المتوسط الدافئة، لذلك أقامت أمريكا قاعدتها العسكرية شمالي شرقي سوريا، وصولا بقواعدها غرب العراق، بل وتمركزت استراتيجيا في قاعدة «التنف» لقطع الطريق على طهران وخط الإمداد البري، ثُم حينما ردت إيران بإقامة طريق بديل عبر البوكمال في ريف الزور، فوسع التحالف قاعدته بقيادة أمريكا في شرق الفرات، وبالتالي عندما تريد أمريكا الرد على «الاختبارات» الإيرانية، يكون الأمر عليها سهلا واضعة بعين الاعتبار مدى تأثيره على ملف المفاوضات.

لكن الأمر بالنسبة للوجود الروسي، مختلف كونه منافسا خطيرا، حاصر التوسع الإيراني منذ عام 2011 و2015، حيث برزت المنافسة بتأثير كليهما على بناء الجيش السوري وأولوياته، فعمل القُطب الروسي على كسب النفوذ، خصوصا بعد نشر طهران صواريخ أرض والطائرات المُسيرة؛ ومشاركة الميليشيات، وأولها حزب الله تحت القيادة الإيرانية، ومنح الحزب إذنا ببناء بنية تحتية ومشاريع طويلة الأمد في الجنوب، مع استيعاب الميليشيات المُستسلمة في الجيش السوري، خاصة الموالية لإيران.. لذا ركزت روسيا على بناء الجيش استراتيجيا، فقامت بتغير التهديد وطبيعة القتال داخليا بتحويل الموارد الرئيسة وتوسيع نطاق القيادة والسيطرة، حتى أنشأت عام 2015، مقرا متعدد الجهات ومركزا للعمليات المشتركة ألغى فيه دور هيئة الأركان العامة السورية، للآن ولأول مرة منذ بداية الستينيات، وتعيين وترقية الضباط العلويين، الذين سيكونون ماهرين ومخلصين لها وليس لإيران، منهم 152 ضابطا رفيعا، و124 من العلويين 82% مقابل 22 ضابطا سنيا أي 14% فقط.







إذن المستنقع السوري له سيناريوهان، أولاهما: سياسة الباب المفتوح عبر الانخراط مع بشار، وفك العزلة السورية، والأهم تخفيف أو تذويب النفوذ الإيراني، كالتدخل الإماراتي العربي الأخير لوقف توسع طهران، كنقطة انطلاق، فالدول العربية، بعضها راهن على روسيا في «ضبط نفوذ إيران»، أما السناريو الثاني: وهو الرهان على قدرة روسيا في وضع حد لأطماع إيران عبر الساحة السورية.. لكن بوابة السلام السوري تلك وكذلك التطبيع سيفرقهما!!، أما إسرائيل، فإن رهانها ثلاثي الأبعاد: لحصولها على الدعم اللوجيستي والاستخباراتي من أمريكا، مع فتح طريق التطبيع العربي، ثُم اعتمادها على غاراتها وضرباتها العسكرية في سوريا، وتفاهماتها العسكرية مع روسيا.

ولكن يجتمع الجميع على أرهبة إيران بنبرتها توسعية قولا وعملا على الأرض، فهي دولة مكونة بالأصل من شعوب عدة غير فارسية، داخلها «الترك الآذريين والكرد والعرب والبلوش واللور والمازيين والجيلانيين»، نما منها انتماءات قومية متطرفة، نادى أغلبها بالانفصال، والآن تتشدق على لسان روحاني بأن دول الجوار لها كانت «أراضي إيرانية تم اقتطاعها من الوطن الأم إيران الكبرى»، التي يروج لها القوميون الفرس، من كافة الجهات بما فيها جميع بلدان الخليج وأجزاء من العراق وتركيا وكردستان وأفغانستان وجمهورية آذربيجان والقوقاز ودول آسيا الوسطى، وأنه قبل 205 أعوام، تم فصل أجزاء كبيرة من الأراضي الشمالية الإيرانية وفي القوقاز.. وأنه قبل 191 عاما فصلوا جزءا آخر من الأرض الأم، وفي 172 سنة اقتطعوا جزءا كبيرا من شمال غرب إيران أيضا أي (جمهوريات آذربيجان وأرمينيا وجورجيا) التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كما أن مناطق الجوار الشرقي الإيراني تم فصلها عن إيران، وهي (أفغانستان وبلوشستان باكستان)، وكذلك ادعى أن مناطق شمال شرق إيران جزء منها، وهي تضم أجزاء من (تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان).. لكن ولله الحمد كان التاريخ شاهدا على أن دول الخليج كانت دوما عصية على التوسعات المزعومة من قبيل روما وفارس، كونها منشأ ومعقل العرب من النواحي البشرية والحضارية والثقافية واللغوية والدينية، حاملين راية الفتوحات التي أسقطت إمبراطورية الفارس وطردت روما من الشرق.