أمل باقازي - جدة
جسد افتتاح النسخة الثانية من مهرجان جدة التاريخية تحت شعار «شمسك أشرقت» أمس، اعتذارا صريحا بلسان الأجيال الحديثة على تقصيرهم في الحفاظ على قيمتها التراثية، وذلك ضمن لوحة من لوحات أوبريت غنائي شعبي حمل اسم المهرجان نفسه.
وتضمن الأوبريت أيضا لوحة استحضرت جغرافية جدة القديمة وسبل كسب الرزق فيها، إلى جانب العادات الاجتماعية.


جدة تفتح نوافذ الشمس في مسائها التاريخي وتحيي ماضيها

افتتح محافظ جدة الأمير مشعل بن ماجد مساء أمس، فعاليات النسخة الثانية من مهرجان جدة التاريخية تحت شعار «شمسك أشرقت» والمتضمنة أكثر من 89 فعالية تراثية وترفيهية وثقافية وتسويقية.
حضر الحفل العديد من المسؤولين والمهتمين كان منهم أمين محافظة جدة هاني أبو رأس، ومدير هيئة السياحة بمكة محمد العمري، ورئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية بجدة صالح كامل.
وتصدرت كلمة الأمير مشعل بن ماجد أدعية صادقة للملك بالشفاء، وتضمنت تهنئة بالمرحلة الجديدة التي تشهدها جدة التاريخية، حيث قال «المهرجان يصل إلى مرحلة جديدة في مسيرة نجاحه بدليل الإقبال المتزايد من الزوار، وهذا نجاح يتجاوز معناه الظاهري إلى الإدراك للقيمة الحضارية للمنطقة»، وأضاف بأن المحافظة على النجاح أصعب من تحقيقه والتحدي القائم يستلزم تضافر الجهود لصيانته، ونشر الوعي بين الأجيال الجديدة بأهمية تراثنا.
وذكر هاني أبو رأس في كلمته التي ألقاها في المهرجان أن الأمانة أصدرت أكثر من ستمائة تصريح ترميم كامل وجزئي، وأصدرت أكثر من ستة عشر ألف رخصة مهنية وتجارية وصحية، وتم توثيق أكثر من ستمائة مبنى تاريخي مصنف تذخر بهم جدة التاريخية.
وأضاف تم استرجاع مساحة ألفين وثلاثمائة متر مربع بمنطقة الخاسكية القديمة وشارع قابل وسوق العلوي والمواقع الأخرى.
وبين أبو رأس أن نظام تسجيل جدة فـي سجل التراث العالمي يستوجب حماية المباني المسلحة والتي تم بناؤها قبل عام ألف وتسعمائة وخمسين ميلادي، مثل مباني الخاسكية القديمة والتي تتميز بالعناصر المعمارية والنقوش الفنية التقليدية التي تم اكتشافها بواجهات المباني بعد إزالة التعديات على الشوارع.
وختم بقوله «لم تتوقف الأمانة عن استكمال مشاريع التطوير، فحظيت الأمانة بحزمة جديدة من المشاريع الجاري ترسيتها يأتي فـي مقدمتها تأهيل وتطوير مسار الحج قديماً - تأهيل وتطوير مسار باب شريف، ومشروع تركيب كاميرات المراقبة والعد والإحصاء.
وطالب صالح كامل في كلمة ألقاها، نيابة عن رجال أعمال جدة ورعاة المهرجان، بالمحافظة على تاريخ جدة لأنها لوحات صنعها أسلافنا بمعاول ووسائل بدائية، فنقوشهم تعطينا دروسا وعظات في التحمل والصبر.
كما تطلع محمد العمري لأن تكون بيوت جدة حاضنة ثقافية وتعود لقلوب أهلها.
المهرجان ختم بالتكريم وتم عرض أوبريت «أشرقت شمسك» عن معالم جدة التاريخية والاجتماعية.
مشاهد الأوبريت
واشتمل الأوبريت على عدة مشاهد مختصرة لجدة التاريخية ومستقبلها، حيث سلط المشهد الأول الضوء على المكان الجغرافي لجدة قديما والمساحة التي كانت تشملها، وعلى الحياة الاجتماعية البسيطة، فالناس حول سور جدة يعرفون بعضهم.
وتطرق المشهد كذلك للمهن التي اشتهرت بها وأبرزها الصيد.
المشهد الثاني ناقش العادات والتقاليد الاجتماعية المشتهرة قديما كما عرض في المشهد الثالث قصة الجيل الجديد وهو يحيي جدة التاريخية، أما مستقبل جدة واستمرار الحفاظ على تاريخها فقد جسده المشهد الرابع والأخير.
وتزامنا مع افتتاح الفعاليات أطلقت أمس أمانة جدة وجمعية البيئة السعودية مبادرة بيئية تستهدف المدن السعودية من جدة التاريخية بعنوان «ساكن ومسؤول» تهدف إلى غرس ثقافة المواطن وعودته إلى النسيج الاجتماعي الذي كان سائدا في الزمن الماضي من خلال المحافظة على الحي واعتباره المنزل الأساسي لكل ساكن.


معماريات يكشفن تماس عمارة جدة التاريخية بحضارات قديمة

أظهر تحليل هندسي قامت به مجموعة من المهندسات المعماريات من ثلاث جامعات بجدة تأثر المنطقة التاريخية في جدة، بحضارتين تاريخيتين تتضمنان الامبراطورية الفارسية والأخرى العثمانية، وذلك وفق الطرق المتبعة في إنشائها.
وجاء هذا التحليل للتعرف على مدى كفاءة المنطقة وتمكنها من البقاء قرابة ألف عام، إلى جانب الحضارات التي عاصرتها بحسب طرز البناء المستخدمة فيها.
وتشارك المهندسات ضمن فعاليات مهرجان «شمسك أشرقت» من خلال ورش عمل مكثفة عن أسرار المباني التاريخية الحجازية وأهميتها وقوة بنائها.
فقد اعتبرت المهندسة إيمان بدر قصة العمارة في المنطقة ملحمة جمالية كونها تتميز بعناصر ودلالات تعكس مدى عراقة تاريخها.
في حين أوضحت المهندسة المعمارية إيمان باعبدالله، أن التراث المعماري لجدة القديمة تأثر بحضارتين مجاورتين تتمثلان في امبراطورية الفرس الساسانيين المخططة للمنطقة ونظم تخزين المياه، إضافة إلى امبراطورية العثمانيين، وتوضح «تتميز البيوت داخل السور إلى السبعينات من الـ14 الهجري بأنها متراصة في أغلبها، إذ يرتكز بعضها على بعض ضمن تصميم يصنع الظلال للتخفيف من حرارة الشمس.
بينما تؤكد المهندسة تسنيم سمرقندي، أن واجهات المباني تحدد حجم وعدد الرواشين في كل منزل، ولكنها استدركت بالقول «يغلب على البيوت القديمة واجهة واحدة أو واجهتان».
أمام ذلك، بيّنت المهندسة غفران محبوب، أن أحجار البناء تضمنت الكاشور المسمى بـ»الحجر المنقبي» الذي كان يستخرج من الرصيف الصخري المرجاني الضحل لساحل البحر الأحمر في كل من شمال بحر الأربعين «النقبة» وشاطئ الرويس.
وتضيف «كان الطين الأسود اللزج المستخرج من قاع بحر الأربعين، يعد بديلا للمواد الاسمنتية».
وأفادت محبوب بأن الأخشاب المستخدمة في البناء، تضمنت أخشاب شجر الدّوم التي كانت ترد من الطائف وعرعر وعسير، فضلا عن النخيل والزان والجاوي والمستخدمة في أعمال الشبابيك والأبواب، أو شجر القندل، التي ترد مع البضائع القادمة من جنوب شرق آسيا.
من جهتها ذكرت المهندسة لينا كردي، أن البيت القديم بجدة يقوم على أساس إنشائي سليم يشبه المباني العصرية رغم فارق الإمكانات، وتقول «يتم إنشاؤه في أوله من المركز ببناء حائطين متقابلين يعرفان بـ»فحل الدرج»، ويترك بينهما فراغ يملأ بالأحجار والطين، بينما تبنى بقية الجدران على الفحل وزادت «ذلك الأسلوب يتفق مع الأساس النظري للمباني العصرية التي تبنى فيها نواة من الخرسانة المسلحة، وأرجعت سبب ترك واجهات المباني القديمة مفتوحة دون بناء، إلى تخفيف الأحمال على «فحل الدرج»، حيث يتم استبدال البناء فيها بتغطيتها بالنوافذ الخشبية أو الرواشين.