X
محمد الأحمدي

فلسفة دون فلسفة

الثلاثاء - 14 سبتمبر 2021

Tue - 14 Sep 2021

إن دراسة الإنسان، المخلوق الذي كرمه الله تعالى، وحمله التكليف، وميزه عن بقية الكائنات، سواء من منظور العلوم الاجتماعية، أو العلوم المادية المتعلقة باكتشاف سلوكه وقيمه ومكوناته البيولوجية، وقدراته المختلفة وقعت في الحكم على المكونات القابلة للملاحظة، واختلفت في معايير الحكم على تلك المكونات الخارجية التي تعبر عن جزء واحد من هذا المخلوق العظيم في تكوينه، وحتى وظيفته. وأرى بأنها تمحورت حول ثلاثة جوانب رئيسة.

إما حاكمت هذا الكائن في ضوء العلم التجريبي الذي لا يؤمن إلا بالحقيقة الموجودة في الهيكل الملموس والخارجي للإنسان.







ولذا بدأت تحاكم جسده، وفكره، وروحه، ووظائف أعضائه، وتتعامل مع تصرفاته بطريقة تجريبية بحتة، باستخدام قدرة من قدرات هذا الإنسان وهي العقل الذي جعلته معيارا للحكم على ما يدركه أو وفق ما يتوصل إليه من حقائق مدعومة بالدليل المادي المقبول من الفطرة الإنسانية للعقل البشري.

لكن الأمر الذي أوغلت فيه هذه الفلسفة الوضعية أنها حاكمت الإنسان بمبدأ علمي موضوعي بيولوجي مادي يهدف في نهاية المطاف إلى الوصول إلى نتيجة مادية موضوعية تتمثل في صورة مخرج للظاهرة الإنسانية. وهذا يختزل الحياة الإنسانية في صورة واحدة من صورها ويهمل البقية بحجة عدم وجود الدليل الذي يثبت صحتها أو يستطيع اكتشافها، والسبب قصور الإنسان في الوصول إلى ذلك السبيل من ناحية، أو استحالة الوصول إليه بسبب سلوك الطريق الخاطئ لاكتشافه من ناحية أخرى. وبهذا مازالت تحاول أن تصل إلى مكامن الروح الخفية، والدوافع التي تحرك العقل، وتتحكم فيه أو تكتشف هذا الجانب أو تجيب عليه إجابات متساوية في حجتها للمكون البيولوجي في الإنسان.

ولذا فلا غرابة أن تفسر الإشارات العصبية للدماغ من أجل تحقيق رغبة واحدة من رغبات الإنسان، كما في سيارة مرسيدس بنز ذاتية القيادة التي تتقوم بقراءة النشاط الذهني وتحاول أن تتنبأ بما يفكر فيه السائق. لكنها تعجز عن تفسير قدرة ومرونة التفكير اللحظي التطوري للإنسان. وعلى العموم فإن الوضعية والوضعية الحديثة ترى الإنسان وحدات مفككة من الأعضاء المحسوسة لكل عضو مهمة متناقضة أو مختلفة على الأقل مع الأخرى أو لا تتشابه معها في ذات الوظيفة، لتركز عليه الدراسة والاكتشاف.

وعلى الرغم من التطور التجريبي لدراسات العقل والجهاز العصبي، والذكاء الاصطناعي إلا أنها ما زالت تركز على الوظيفة وليس الدافع الذي ولد الوظيفة لعجزها في الوصول إلى ذلك. ومن مبدأ الوضعية فإن المقياس الذي يعجز أن يقيس ذات الظاهرة أو يقدم نتائج دقيقة، وقابلة للتصديق المنطقي فإنه يبقى غير صالح في قياسها لا يقبل ما يصدره من أحكام معرفية حولها.

وجانب آخر تعاملت الفلسفة مع الإنسان في العلوم الاجتماعية من منظور مغاير للوضعية التجريبية أو الحسية، بالحكم على نوعية ما يدركه الإنسان من داخل ذاته، وبناء على تصوراته الفردية، وما تعكسه قوته العقلية لواقعه المعاش. وفي هذا قمة التفرد في الحكم على الإنسان، ونزعة لتفكيك وحدته الجمعية، وشذوذه عن قاعدة التماسك والاتحاد التي تعتبر من قواعد البنية الكونية.

وحتى عند النظر في منظور الحكم على الإنسان من تصوراته فإن هذه المعايير قصرت في إدراك الوصول إلى معان لهذه التصورات مقنعة للعقل الذي تعتبره مصدرا لإنتاجها. فالتصورات المتكونة من الخبرة والتجربة قاصرة عن الإجابات الكبرى في الوجود والحياة والموت والوظيفة بسبب عدم قدرة الإنسان على تصور هذه العموميات الكبرى من ذاته.

ويأتي جانب ثالث حاول الحكم على الإنسان في ضوء وظيفته الأدائية. وهو نتيجة ومخرج للجوانب السابقة التي حصرت مهمة الإنسان في الجانب التجريبي أو التصورات الذاتية على الرغم من تغليب الأولى على الثانية. فبعد أن توصل العلم التجريبي إلى معرفة وظائف الإنسان، وخصائصه البيولوجية، أعطى لهذه المكونات وظيفة ومهمة يحاول أن يختصر الإنسان ويحكم عليه في ضوئها. وعجز أن يدرك أن الوظيفة انعكاس لمكون داخلي خفي غير قادر على إدراكه أو قياسه أو إثباته. وهذا المكون الخفي يعتبر العامل الرئيس الذي يعطي للوظيفة وللمكونات الخارجية التفوق في قدرتها وأدائها؛ على الرغم من محاولاته الإقناع بمدلولات تشير إلى الوظيفة أو الأداء المادي للإنسان: كمفاهيم الشغف، والميول والرغبة، والدافع، والتدريب، وإلى آخره إلا أن طبيعة تكوين الإنسان ليست طبيعة وظيفية مادية بحته، بل طبيعة معجزة عجيبة متزنة بين الوظيفة وبين الروح.

وبمجمل هذه الرؤى الفلسفية حاولت تقلل من دور الإنسان الجوهري في العبادة الذي يسهم في استقراره، وأداء مهمته في الحياة دون العيش في رحلة صراع من أجل البحث عن إجابات للأسئلة الكبرى في حياته.

alahmadim2010@