X
مرزوق بن تنباك

حدود خصوصية المسؤول:

الثلاثاء - 14 سبتمبر 2021

Tue - 14 Sep 2021

خصوصية الإنسان لها جانبان، الجانب الشخصي الخاص به حين يكون بوضعه العادي فرد في المجتمع، والجانب الآخر حين يتولى مسؤوليات عامة تتعلق بمصالح الناس والمجتمع، في الحال الأول لابد أن تحترم خصوصيته وله الحق أن يغضب إذا مست هذه الخصوصية أو تجاوز أحد على حقوقه فهو على كل حال فرد مسؤول عن تصرفاته الشخصية وفي نظام يضمن احترام حقه الشخصي.

أما الجانب الآخر فحين يتولى شؤون عامة للمجتمع ويكون مسؤولا عن المهمات المنوطة بشخصه التي تتعلق بالناس ومصالحهم وتمس حاجاتهم ومستقبلهم ومستقبل أولادهم، فهو هنا يصبح مسؤولا عما ولي من الشؤون التي تحيله من شخصية فردية إلى شخصية عامة، وفي حالة كهذه تنتفي الخصوصية الفردية وتحل مكانها الشخصية الاعتبارية العامة.ولأن الفرق بين الحالين بعيد والوظائف مختلفة فلا يجب الربط بين حقوق شخصيته الاعتبارية العامة وشخصيته العادية، وما يلفت النظر في بعض الحالات أن الشخصيات العامة لا تميز بين الحالتين وتخلط بينهما، فهي تقبل بتولي مسؤوليات الناس وما يتعلق بها من حاجاتهم ومستقبلهم أحيانا، وتغضب عندما يحاول الناس انتقاد الجانب المسؤول الذي يرى الناس أنه قد يقصر في ما وكل إليه من أشياء تتعلق بمصالحهم، والناس يعرفون، والمسؤولون يجب أن يعرفوا أن القبول بالمسؤولية العامة هو تنازل عن الحصانة الشخصية الفردية وأن كل فرد في المجتمع من حقه يعرض أعمال المسؤول العامة ويتحدث عنها وعن ما ينجز وما يقصر في إنجازه ويرفع سوط النقد في وجهه ويفتح نوافذ التقصير الذي يحدث فيما يتولى من أعمال.







لأن ذلك هو ما يجب على المواطن كشفه وتقويمه في كلا جانبيه الإيجابي والسلبي، ولعل أول ما في تراثنا من إباحة جانب الخصوصية الفردية للنقد في حال قبولها للمسؤولية العامة الأثر الصحيح: (أفلا جلس في بيت أمه)، ومثله قائمة طويلة من الأدبيات العربية والبشرية التي تزيح عن الشخصية العامة حقوقها الفردية وتعرضها لآراء الناس وأقوالهم فيها بما تقتضيه المناسبة وما يصلح به التقويم الناصح.

ومن واجب الشخصية العامة ألا تغضب وتثور مدافعة عن الذات والكرامة والخصوصية فقد تنازلت عن ذلك كله حين قبلت أن تعمل لمصالح المجتمع وأن تأخذ بالأمر وبالقول المشهور: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. وعيوب هؤلاء القوم لا تجد طريقها إليهم مباشرة كما

يريدون لكنها ستصل إليهم عبر ما تتيحه وسائل التواصل وما تمليه المناسبات التي يكون فيها البلاغ عنها من جنسها أي الطريق الذي يتواصل به الناس وتبلغ به الحاجة.

الظاهرة غير المريحة وغير المقبولة أيضا ما بدأ يظهر من بعض المسؤولين في الآونة الأخيرة من الامتعاض والتذمر والتنمر أحيانا مما يطرحه الناس من إهداء لعيوبهم لا يسرهم وأقوال لا ترضيهم لمناقشة التقصير حين يظهر فيما يتولون من أعمال الناس وشؤونهم، وبدل الاعتراف بالتقصير وفضيلته ومحاولة إصلاحه واحترام الرأي الآخر الذي يكشف النقص ويدل على مواقع الخطأ، يواجهون الرأي العام بالغضب والتهديد بالأنظمة الجزائية، بينما الواجب أن يسمعوا جيدا للنقد البناء ويكملوا ما نقص ويصلحوا الأخطاء وهو ما توجبه مسؤولياتهم أمام أمانة الكلمة وقول الحق والدفاع عن مصالح المجتمع التي يتولى المسؤول مصالحه بالنيابة عنه.

مطالبة بعض المسؤولين للرأي العام بالصمت أو الركض للنيابة العامة واللجوء للقضاء وتطبيق الأنظمة الجزائية لا يغير الواقع ولا يكمل النقص ولا يصلح الأخطاء، ومن لا يستطيع ذلك فعليه الجلوس في بيت أمه وأبيه ولن يجد من ينتقده ولا من يؤذيه وستحترم خصوصيته وتصان حقوقه إن شاء الله.

Mtenback@