مع انفتاح الفضاء وتعدد قنوات البث الفضائي كمشاريع تجارية ربحية وافتقاد كثير من أصحابها لأبجديات العمل الإعلامي، أفلست عديد من القنوات (الشعبية) قبل أن تبدأ لافتقارها الرؤية العملية والتخطيط السليم الهادف لإضافة مادة مفيدة للمشاهد، فلم تجد تلك القنوات أمامها سوى فتح منابرها واستوديوهاتها لبرامج تهدم أكثر مما تبني بتركيزها على القبلية التي اتخذتها أساسا تنطلق منه برامجها الفقيرة إعدادا وتقديما ومضمونا.
لقد وجدت عديد من الفضائيات لغة القبيلة بابا تلج منه لاستقطاب المشاهد عبر برامج تركز على الإقليمية و المناطقية على حساب الوطنية التي يجب أن تختفي معها العصبيات القبلية والفئوية.
إن من يتابع فضائياتنا (الشعبية) يلحظ علو نبرة العصبية سواء عبر استضافة الشخصيات أو برامج الشعر الشعبي أو خلافهما مما هو رائج في تلك القنوات التي تحاول أن تملأ شاشاتها كيفما اتفق دون النظر لجدوى ما تعرضه وما يمكن أن تضيفه للمشاهد فاتجهت إلى استمالته بمقدمات بـ (اسم ربعي ولابتي ...) لينتهي البرنامج بتمجيد القبيلة بقصيدة (صماء) وعبارات ثناء لانتماء ذلك المقدم أو الشاعر أو ضيف البرنامج.
وإذا كانت العصبية كما يرى ابن خلدون في مقدمته الشهيرة مرتبطة بالعمران البشري وهي بذلك ظاهرة في المجتمعات القبلية لظروف الحياة الاقتصادية والطبيعة المجتمعية المتباينة من مجتمع لآخر، فإنها في ظل الدولة الحديثة يجب أن تذوب في النسيج المجتمعي لتشكل البناء العام بعيدا عن الفئوية الضيقة.
وفي ظني أن هذه النبرة المرتكزة على القبيلة والغارقة في المناطقية لا تخدم العمل الإعلامي ولا تضيف للمشاهد سوى إثارة النعرات وزيادة التسطيح.
لقد كفلت الدولة كما جاء في المادة الـ 11 من النظام الأساسي للحكم الصادر بالمرسوم الملكي رقم أ / 90 وتاريخ 27 شعبان 1412 والتي تنص على أنه (يقوم المجتمع السعودي على أساس من اعتصام أفراده بحبل الله وتعاونهم على البر والتقوى والتكافل فيما بينهم وعدم تفرقهم)، فالكل سواسية وفق الشرع القويم، يقول عليه الصلاة والسلام : (دعوها فإنها منتنة)، ويقول عليه السلام: (ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية).
وما يقال عن القنوات الفضائية ينسحب أيضا على ما يدور في ساحات الانترنت، وما قيام بعض المواقع الالكترونية من فتح استفتاءات عن أفضل القبائل وتاريخها وتوثيق أمجادها إلا صورة من صور تكريس هذه الظاهرة التي تستوجب التوقف عندها ودراسة أسبابها وما يمكن أن تفضي إليه من سلبيات من شأنها أن تؤثر على النسيج المجتمعي القائم على الاحترام ورعاية الحقوق.
وعليه فإن على الجهات الرقابية في الوزارات المعنية والمؤسسات الأكاديمية دورا كبيرا في التصدي لهذه الظاهرة التي يتوقف انتشارها من عدمه على ثقافة المجتمع وحرص أبناء الوطن على الوحدة الوطنية المقدمة على أية اعتبارات وشعارات لا تخدم المصلحة العامة ولا تتوافق مع مبادئ العدل والمساواة التي جاء بها ورسخها الدين الإسلامي الحنيف وقامت عليها بلادنا المباركة، ولننظر لميدان المفاضلة الحقة في قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) .

[email protected]