X
شاهر النهاري

كارثة إمساك المرسول

الاثنين - 13 سبتمبر 2021

Mon - 13 Sep 2021

من حكايات كرم الماضي، وحينما يتضايق رب البيت من شقاوة طفل يزعج ضيوفه، أن يكلف الطفل بمهمة المرسول لمعشر النساء، بعد أن يحمله برسالة قد لا يفهم الصغير معناها: قل لهم يمسكون المرسول!

خدعة عظيمة عند تكشفها تصيب المرسول بخيبة أمل، وفقد للمتعة، وشك مستقبلي في نوايا من أرسله.







وكم يندم المرسول ويقرر أن يفتح عينيه وأن يحذر الطاعة العمياء، وتنفيذ الأوامر بسذاجة، وربما يحتال الطفل مستقبلا ويحور الرسالة، ويختلق ما يراه في صالحه، حتى لا يتكرر وقوعه في الفخ.

وفي عوالم السياسة، تزدهر أهمية المراسيل فلكل حاكم عدد منهم يحملون رسائله، ودون أن ينتقل من مكانه.

وفي شرقنا الأوسط لا يتوقف المراسيل سواء من حكام دول عظمى، أو منظمات عالمية وأقليمية، أو من حكام الدول القريبة والبعيدة، وكل مرسول بفهمه وإخلاصه، وجهوده وقدرته على الرفع من أهميته وجذرية مهمته.

المراسيل من أمريكا يأتون ويذهبون إلى كل زاوية من الشرق الأوسط، ومراسيل هيئة الأمم المتحدة ودول روسيا والصين والاتحاد الأوروبي لا يتوقفون.

ولكل مرسول طريقته المشهودة في دراسة وحلحلة ما يراه من الأزمات والحروب، وما ينويه من المساعدة في تقريب وجهات النظر، وعقد اتفاقيات السلام، وإيقاف المناوشات، أو ترسيم حدود مختلف عليها، أو منع تدخل جهات إقليمية، وتأكيد التعديات، وتبيان إخفاقات حقوق الإنسان.

ولكثرة من نراهم من مراسيل، ولطول فترات بقائهم في المناطق الملتهبة، مثل اليمن وسوريا والسودان، وتونس، وليبيا والمغرب والخليج العربي، والعراق وفلسطين وغيرها، ندرك أن مفعولهم لا يعطي النتائج المطلوبة لدى المرسل إليه، وكم تنتهي فترات مهامهم، بفشل أو حيرة، وكم يتم تغييرهم، والإتيان بمراسيل جدد، وبتعليمات مختلفة، وحيل ومطامع ومصالح تتجدد.

وليس كل مرسول يحمل الأهداف والرؤية المليئة بالخير، وليست كل المهام خالصة النية سليمة، فتظل تتكشف تباعا الأهداف الخفية ومطامع المرسل، وربما السعي الخبيث لتطويل سنوات الحرج أو تشويه الحال.

والكارثة أننا نجد مصالح المرسول الشخصية تطغى مرات على المهمة الأصلية، فنكتشف سعيه لإضعاف جهة، ضد أخرى، وتقلب مرئياته، ما يجعله أخبث ممن أرسله، أو بالسعي لأن يكون عميلا مزدوجا، موعود بالسعادة والثراء، عبر إبقاء عبثية مهمته.

كثرة المراسيل في السياسة تتعارض مع نجاعة الحلول، وتنافي إخلاص النية بتوطين السلام، بل إن المراسيل، لنفس القضية من جهات مختلفة، قد يدخلون في حروب مصغرة بينهم، للتفرد بالكلمة النهائية، والتخريب على أي نجاح للمراسيل الآخرين.

المتضرر الوحيد من تعاقب وتناقض المراسيل، ومن اختلاف مقاصدهم، وأطماع من يرسلهم، يكون دوما القضية الأصلية المعلقة، كما رأينا مؤخرا في أزمة اليمن، حيث الحرب تظل ملتهبة، والتعديات على أعيان السعودية المدنية مستمرة، وميليشيات الحوثي تلقى الاعتراف والرعاية، والمهلة، والتخفيف، وغض البصر عن عمليات إمدادهم بالأسلحة والوقت، وإنقاذهم حينما تضيق عليهم الحرب، مثلما حدث في مواجهتي الحديدة ومأرب.

أمور تبرز وتفضح نوايا المراسيل، وقدراتهم، ورغابتهم في تعطيل الحل، وتهميش قضايا إنقاذ أهل اليمن، من ويلات الحرب المريرة، والتهجير والشتات والقهر والجوع وانتشار الأمراض، وجعل الحوثي متحكما حتى بتجنيد النساء والأطفال، والعالم يظل يتباكى بأعين التماسيح.

مراسيل يظلون متنافرين، مدعين، خياليين، عاجزين، متناقضين، لا يخشون إلا أن يمسك بهم المرسل إليه.

shaheralnahari@