X
هند علي الغامدي

جناية التعميم

الاحد - 05 سبتمبر 2021

Sun - 05 Sep 2021

الإنسان عجيب في طبيعة التعميم، يستطيع أن يعمم حكما سيئا على مجموعة من البشر أو الجماعات أو الجنسيات؛ لمجرد أن فردا منها ارتكب خطأ أو محظورا أو على الأقل أمرا يستهجنه هو، ناسيا أو متناسيا انتماءه إلى أحد الجماعات أو الجنسيات التي ليس بالضرورة أن أفرادها جميعهم منزهون عن ارتكاب الأخطاء أو المستهجن من الأقوال والأفعال، فهل يقبل أن يعمم عليه خطأ أحدهم، ويؤاخذ بجريرته؛ لمجرد انتمائه إلى الجماعة أو الجنسية التي ينتمي إليها ذلك المخطئ؟ قدرة العقل البشري على التعميم عجيبة وقد تفوق التخيل،






تحضرني قصة منع القهوة وتحريمها في زمن من الأزمان، لماذا؟ لعل من الأسباب الرئيسة لذلك التحريم أن المحرمين لاحظوا حالة الراحة والاسترخاء والسعادة وربما حالة النشاط التي تحل بمحتسيها؛ فظنوا أنها مسكرة؛ لأنها أخرجته من حالة إلى حالة، وربما غيرت أحكامه وبدلت حالته النفسية من حالة الرفض لأمر ما إلى حالة القبول؛ دون إبداء أي سبب لتغيير الحكم، ودون أن يتغير أي شيء في معطيات الأمور حوله، ولكنها النفسية البشرية المتقلبة والمزاج الذي قد يعتدل لأي سبب؛ طعام أو شراب أو هواء أو كلمة أو فنجان قهوة؛ طبيعة بشرية ناقصة، الشاهد هو التعميم الذي جعل المحرمين يربطون بين الحالة التي يكون عليها شارب الخمر من النشوة والسعادة وما يصيب محتسي القهوة من انتشاء وراحة؛ والتي تلاها التعميم الذي جعلهم يحكمون بتحريمها، دون أن يقفوا قليلا ليروا أن حالة العقل في كل موضع مختلفتان كليا، وقد يصح أن يقاس على ذلك أغلب الحلال المحرم؛ إذ بالضرورة أن حالة من التعميم هي التي وقفت وراء ذلك التحريم، يغيب العقل عند إصدار الأحكام أحيانا، ويحرم الناس من حقوقهم -كثيرا- من أجل التعميم، وأحيانا من أجل مقولة حق تستعمل في باطل وهي «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، ولو فكرنا قليلا سنجد أن عمق هذه المقولة يقوم على التعميم أيضا، وقد أثبت العلم أن التعميم من أخطاء التفكير، لكن المشكلة أننا نخلط العقل بالعاطفة والعلم والحقيقة بالرأي؛ لنخرج أحكاما ممسوخة تؤدي إلى تدهور أوضاعنا وأوضاع من ينتمون إلينا، أو تربطنا بهم صلة أو علاقة بشكل أو بآخر، وقد تؤدي إلى حرمانهم من حقوقهم أحيانا، أو حرماننا من احترام إنسانيتنا من خلال تقديرهم واحترامهم.

الأكثر قراءة