من المتعارف عليه، أن الوظيفة العامة هي أداة التنمية، وهي البنية التي تستند عليها الحكومة -أي حكومة- في أعمالها لخدمة الناس ورعاية مصالحهم.
ومن هنا تأتي أهمية التأكيد والتركيز على وجوب فاعليتها وكفاءتها التي لا تقاس خارج إطار دور الموظف العام الذي يضطلع بمهمة شغلها وتحريكها لتأدية مهمتها المرسومة في الأصل لتحقق المصلحة العامة التي تنطلق من العمل وفق مبدأ العدل والمساواة.
في العموم، النصوص النظامية المحددة لواجبات الوظيفة العامة لا تغفل المحظورات، ومن هنا يكون الموظف العام في مركز قانوني يتطلب الموازنة بين الجائز والمنهي عنه، وفيها -أي النصوص النظامية- من تسليط الضوء على أخلاقيات العمل ما يكفي، ومع هذا لا تسلم من الاختراق نتيجة انحرافات في القواعد الأخلاقية لبعض القائمين عليها، وصحة هذا القول ومثله مضمونة بتصاعد حالات الفساد المالي والإداري وتنوعها، ويمكن تبرير حدوث الاختراقات من حيث المبدأ بأنها «غير عصية» في زمن اتسم بالمستجدات المفاجئة والركض وراء المصالح الشخصية الضيقة الوضيعة في كل الأحوال.
الحديث عن الوظيفة العامة من هذه الزاوية يطول، وكلما أخذ بعين الاعتبار تعدد واتساع الخدمات التي تقدمها الدولة ومدى ضرورة التعدد في القطاعات، المسألة التي يستدعي الأمر معها زيادة العاملين في الوظيفة العامة، طال الحديث، وكلما أخضعت واجباتها للمعاينة ومحظوراتها للفحص والتأمل، وأخضع مستوى انحراف مقودها عن العمل في إطار النظام للمعاينة، أو حتى التقصي وفقا للصورة العامة، امتد أكثر وجر في أعقابه جدلا واسعا، لا أحسبه مذموما، لأن في تنشيط الأمر تبصيرا للناس، غير أنه لا يشكل كل خارطة الطريق لهذا المقال الذي أحاول فيه على عجل وبحذر التعريج على ما هو في نظري أخطر.
من الطبيعي أن تنال الوظيفة العامة من الاهتمام ما يلزم، ومن المتابعة الدقيقة ما يضمن سيرها في الطريق الصحيح، لما لها من علاقة وثيقة بمركز منتصف الطريق بين الدولة والشعب.
وفي السياق يمكن القول إن مخرجات الوظيفة العامة من العوامل التي ترفع مستوى رضاء الناس وتعزز انتماءهم وتزيدهم سكينة واحتراما لوطنهم، ويمكن أن تغير في قناعاتهم وتثيرهم وتزيد احتقانهم، ومن هنا يبرز دورها المحتمل في المجال (السياسي)، لهذا يكون الأمر في غاية الخطورة حينما تطوع الوظيفة العامة للأهواء الحزبية أو تستغل كمطية لتسويق الأفكار المتضامنة مع الانحرافات، بطبيعة الحال التسويق للأجندات المدسوسة أيا كانت طبيعتها وأهدافها لا يأتي في العادة مكشوفا.
ودلالو السوق وزبائنه يفضلون المناطق المظلمة والمسارات الضبابية ويعولون على هذا الأسلوب لتحقيق الغايات، ويزداد المفعول كلما توفر الغطاء المهني، العمودي والأفقي، المشجع لمزاوجة المساحات الممكنة في إطار صلاحيات الوظيفة ونطاق مسؤولياتها وعلاقاتها بالبيئية الخارجية، وهذا يزيد المسائل تعقيدا وغموضا لصالح تسيس الوظيفة العامة وتحويل مسارها لصالح الأفكار المنحرفة ضد المصلحة العامة.
ما أود أن أخلص إليه هو أن المستوى الذي وصلت إليه ثقافة التشدد والاصطفاف المذهبي في الوطن العربي وما حول هذه القضايا من انحرافات فكرية حتى وإن كانت المؤشرات متباينة أو غير ظاهرة بشكل يسهل للجميع رؤيتها، لا يمكن أن يستثني الوظيفة العامة من الاستغلال للتعبير وإثبات الحضور في سجل الانحياز لدوائر الانحراف، إن لم تكن الوظيفة العامة هي الرقم المفضل في الخطة أصلا، وحتى لا تسود استراتيجية تحويل مسار الوظيفة العامة «من أداة بناء إلى أداة هدم» ويكثر أتباعها، يجب الانتباه والعمل الجاد المتواصل لدفع عجلة الصيانة الوقائية لضمان سلامة الوظيفة العامة من هيمنة الفكر المتطرف الذي يسعى كالحية الرقطاء لتفتيت اللحمة الوطنية وإشاعة الفوضى في أي مكان ينتشر فيه.
عموما، الانحرافات في ممارسة الوظيفة العامة سيئة وتتنوع، والانحراف الفكري أكثرها قوة وخطورة وأسرعها تأثيرا.