X
عبدالحليم البراك

أوهام العوام

الثلاثاء - 04 مايو 2021

Tue - 04 May 2021

كتب فرانسيس بيكون عن أوهام العقل الأربعة، وقرر من خلالها تعثر العقل الإنساني بعدة أشياء تعيق تفكيره، فوصل إلى أن الأوهام هي وهم القبيلة ووهم الكهف وخيالاته، ووهم السوق وخداعه ووهم المسرح وألاعيبه، وجاء الدكتور علي حرب، ليقرر أن للنخبة أوهاما أيضا وهم في برجهم العاجي جاء منها: وهم الحداثة، ووهم النخبة (التعالي والوصاية) ووهم الحرية ووهم الهوية ووهم المطابقة!

أما أنا فيحق لي أن أجوس خلال ديار العوام فأقرر أن للعوام عدة أوهام، لكن قبل الولوج لتلك الأوهام لابد من الإشارة إلى سلطة، وقوة العوام على جميع المستويات، فسلطة العوام السياسية هي من قادت الناس أيام الربيع العربي لفوضى غير خلاقة، وللعوام سلطة دينية، لدرجة أن يتحفظ علماء الدين عن بعض آرائهم وأفكارهم وفتاواهم بحجة أنها لا تقال للعامة، بل صدرت منهم مقولات شهيرة بهذا الخصوص ولا أدل من ذلك إلا تغيير العلماء لآرائهم بعد أن يتحرروا من سلطة العوام، وللعوام سلطة على العلماء فيقودون البحث العلمي أحيانا نحو مسارات هالكة أو شبه ميتة، تحت حجة دراسة أثر الأعشاب الشعبية، أو الطب البديل أو دراسات عن وجود العفاريت والحسد والسحر!







ومهما يكن من أمر فإن أبرز أوهام العوام هي خمسة أوهام، يمكن إبرازها فيما يلي:

- (وهم الثقة)، ويمثل هذا الوهم قوة ضاربة في يد العوام، فما إن تجد ثقة العامي في رأيه، إلا وتشك أنت في رأيك جراء اتفاق العوام على هذه الثقة المطلقة برأيهم، وإن سلمت من الشك في رأيك، فإنك لا تسلم من التصريح بحوارك معهم، وبذلك فإن هذه الثقة العامية تضرب بيد من حديد على العلم أو المنطق.

وهو نفسه (وهم الصواب)، وهو اعتقاده جازما بلا تردد في رأيه يسانده سيل من العوام الأكثر يقينا في صواب من يقولون، وصواب ما يؤمنون به، وصواب ما يعتقدون بدون أدنى شك وتردد وحوار وإعادة تفكر في هذه الأشياء، ثم إن الصواب مستمر لا يتحول ولا يتغير في نظره، عكس المنطق والعقل.

- والوهم الثاني (وهم الأكثرية)، إذ إن من حجج العوام في الحق هو الناس وكثرتهم، ثم يتبين أن العالم كله في واد، وأن عالما مفكرا كان مبادرا في واد آخر، وهم من كان يملك الحقيقة أو يقترب منها على الأقل، وهذه الدروس لا تقدم للعوام أي فائدة تذكر.

- والوهم الثالث (وهم المعرفة)، إذ إن المعرفة هي حقيقة احتكارية لدى العوام رغم عدم امتلاكهم الحقيقي لها إلا ادعاء، ويملكون الجزم المعرفي فيما يعلمون وما لا يعلمون، والمعرفة ليست من يقينيات أو علم مسبق لديهم، بل هو من إيمان فقط بالمعرفة، إذ أن الإيمان وحده بالمعرفة يكفي في نظرهم، وليس ذاتها كقائمة مستقلة عن غيرها، ولا أدل من ذلك إلا موت الحجج والبراهين في الحوارات واللجوء إلى الفرض السلطوي!.

- والوهم الرابع (وهم التأثير)، فتعتقد جموع العوام أن لها قدرة التأثير، وهذه القدرة صحيحة من واقع الرقم الممثل لكثرتهم؛ لكن الحقيقة تقول «إن التأثير في صف الأقليات الأذكى والأقليات التي تملك العلم والأقليات التي تملك الأدوات»، وكل هذه هي القوة والتأثير لكن العوام يعتقدون أنهم هم التأثير (كعدد) والحقيقة أن عشرين في المائة من أي شيء يحكم ثمانين بالمائة من كل شيء، والأمثلة واضحة كالقوة والتأثير بيد من يملك الأداة الحربية على سبيل المثال أو العلم كما في تقنية المعلومات.

- الوهم الخامس (وهم السعادة)، ويعتقد العوام بسعادتهم في اختياراتهم باعتبارها الأسلم لأنهم لا يصيبهم الحزن، والحقيقة أن عدم الحزن يعني عدم معرفة السعادة والعكس صواب، فإن من يفتقد السعادة يشعر بالحزن، ولأن الحزن مقيم على العوام يشعرهم بأنها سعادة! فيسعدون بالجهل تارة والاستعباد تارة واليقين الجامد تارة، ويسعدون باعتقاد المعرفة المطلقة تارة، وكأن قلق العلماء شيء سلبي!.

أخيرا، إن الاستسلام لسخرية العوام بأوهامهم يحول العلماء والأذكياء والفلاسفة إلى عوام، ألم تسمع عن عالم هجر العلم نحو السكون والهدوء، وفيلسوف فضل إيمان العجائز على قلق البحث عن الحقيقة، وعن مبتكر ومخترع اختار الهدوء مقابل سخرية العوام من فكره ومبادرته!؟