X
زيد الفضيل

القضاء سفينة الاعتدال السعودي

الاحد - 02 مايو 2021

Sun - 02 May 2021

أزعم أن كل من شاهد لقاء ولي العهد الأخير مع الإعلامي عبدالله المديفر سيدرك حجم التغيير الجذري في أشياء كثيرة، ابتداء من عفوية اللقاء وبعده عن الرتابة، وانتهاء بحجم الشفافية في طبيعة الخطاب المقدم من الأمير محمد بن سلمان وحالة الوعي المتنامي في سياق حديثه الاقتصادي والسياسي وصولا إلى الاجتماعي والديني والوطني بوجه عام.

والحق أقول إن وعيي كان عاجزا عن إدراك واستيعاب مضامين الخطاب المقدم على مدار ساعة ونصف من الحديث المتتابع في لقطة واحدة، فكمية المعلومات فيه كانت كبيرة ودقيقة، وحجم الإنشاء في حديثه كان ضئيلا جدا، فالأرقام والنسب والمعطيات والبراهين كانت مرتكزا لحديثه، ومن كان خطابه قائما على ذلك فحتما سيكون عمليا شفافا متوائما مع طبيعة ومسار المستقبل، وهو ما يجعله خطابا مختلفا ومتميزا وصانعا لملامح السعودية الجديدة المواكبة باقتدار لسياق القرن21 ليس بوصفها تابعا بل شريكا.







كان الأمير واضحا في رؤيته منذ الابتداء، فهو يريد أن تكون السعودية بصفتها السياسية، وموقعها الجغرافي، وقيمتها المادية والمعنوية، وعمقها الروحي الديني والتراثي المادي واللامادي، بتأريخها بصحرائها وجبالها وإنسانها، بكل ذلك وغيره، أن تكون محركا لعجلة النهضة والسلام في العالم، وليست فقط مستقبلة لما يقرره الآخرون، ولهذا فقد جاءت مبادراته وبرامجه العملية لتواكب هذا المشروع خطوة بخطوة، وتهتم بتجهيز البيئة الحاضنة له ماديا ومعنويا.

ومن ذلك ما تعيشه المملكة العربية السعودية من تطور ملحوظ في مشروع مدونة الأحكام القضائية، ونظام الدولة القانوني على الصعيد التجاري والجنائي والأحوال الشخصية، وكما أشار ولي العهد في حديثة بأننا لن نخترع العجلة، وأن السائح ورجل الأعمال يحتاجان إلى صيغة قانونية واضحة تكون بمثابة القوة الضامنة لحقوقه وما يترتب عليه من التزامات، وهو المعمول به في كل العالم الذي تسعى لبلوغه وزارة العدل بجهاتها القضائية، والنيابة العامة كذلك، وبات ملاحظا في كثير من القوانين واللوائح التشريعية المعلنة دقة توصيف الجرم المعني بالعقاب، ووضوح مدة وحيثية الحكم القضائي، مع التوسع في تقليص مساحة الأحكام التعزيرية التي استخدمت بشكل غير مفهوم فيما مضى.

وهو ما وضع ولي العهد يده عليه، مبينا جوهر ما كان يعاني منه المجتمع سابقا جراء عدم وضوح الدقة في بعض الأحكام الاجتهادية بالشكل الذي لم يكفل العدالة المتساوية للجميع، فقديما كانت مساحة الاجتهاد الشخصي في تطبيق الأحكام واسعة، وهو ما مثل لبسا لدى كثير من الناس، إذ يمكن أن يحكم قاض في منطقة ما بحكم نافذ في حق متهم، ويخالفه من حيث درجة الحكم والعقوبة في ذات الواقعة والتهمة والحيثيات قاض آخر في منطقة أخرى، ناهيك عن التوسع في إصدار أحكام تجرم فعلا ليس فيه نص قطعي الدلالة والثبوت كما أشار ولي العهد، الذي أكد في حواره على أهمية أن تكون العقوبة وفق نص قرآني محكم، أو نص صحيح متواتر من السنة النبوية المطهرة، مع إشارته لإمكانية قبول حديث الآحاد في حال عدم معارضته لنص القرآن أولا، وطالما أنه يصب في تحقيق العدالة والمصلحة للناس والمجتمع، وهما القيمة العظمى التي جاءت الشرائع والقوانين لتنصفهما وتحقق العدل بينهما وفق رؤية ربانية رحيمة وليس وفق رؤية بشرية قاصرة.

ومن باب الإنصاف فيجب الإقرار بأن وزارة العدل قد عملت على تطوير منظومة القضاء، واستهدفت استحداث قواعد تشريعية مستمدة من ديننا الحنيف، تحمي المواطن والوافد وتكفل له حقوقه كما يجب، لاسيما في مدونة الأحوال الشخصية وحقوق المرأة التي جاء هذا العهد ليعلي من شأنها بما يتوافق وحيثيات كتابنا وسنة نبينا الصحيحة المتواترة، وهو ما يمكن أن يجد بعض ممانعة، الأمر الذي يحتاج معه إلى متابعة دقيقة لضمان التزام العمل به.

أشير ختاما إلى أن هذا التوجه الواضح والشفاف الذي أعلنه سمو ولي العهد في خطابه سيكون له أبلغ الأثر في القضاء على سمت التشدد في خطابنا الديني المرتكز على متشابه القرآن والضعيف من الأحاديث النبوية، وهو سمت المتطرفين الذين أشار إليهم ولي العهد، والذين حذر منهم الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، وكانوا للأسف متصدرين بخطابهم عبر جناحي السرورية والإخوان المسلمين لعقود سالفة، والنتيجة أننا اكتوينا بنار القاعدة وداعش وكل جبهة إرهابية أساءت إلى ديننا الحنيف أولا وأخيرا، وأساءت إلينا كمجتمع مسلم مع تطبيقها لأحكام لا تتوافق مع صريح القرآن ومتواتر السنة النبوية الطاهرة، والنتيجة ما نعيشه اليوم من تشويه لذواتنا في عيون الآخرين ونحن براء من ذلك.

zash113@