التربية المعيارية أو التربية القائمة على ركائز حقيقية راسخة مستمدة جذورها من نهج هذا الدين وتعاليمه وأحكامه هي لا شك هدف المربين وقبلتهم التربوية التي يتجهون إليها.
حين نتطرق لمعايير تكوين الشخصية الإيجابية لا شك أننا نستحضر قدرا متنوعا منها، فالقيم التربوية ليست واحدة وما يبني الإنسان هو حزمة متكاملة من تلك القيم النبيلة.
اليوم نتوقف أمام الأدب بمعناه الواسع والكبير، الأدب من التأدب والتأدب صفة قال عنها نبينا المعلم عليه الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي.
نعم أدب الله رسوله فأحسن تأديبه لأن هذا الرجل الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب سوف يخاطب العالم وينقل إليهم عن رب العالمين.
هذا الرجل الأمي سوف يخاطب الأعرابي والحضري، سوف يخاطب الغني كما سوف يخاطب الفقير، سوف يخاطب من يعرف أشعار العرب وأنسابهم كما سيخاطب ذلك الرومي والفارسي والحبشي الذين تختلف جذورهم ومشاربهم عن العرب.
سوف يخاطب الزعماء والرؤساء وقادة الدول وسوف يخاطب الأدباء والشعراء وأهل الزجل.
سوف يخاطب الجهلاء والمغروروين والمشركين، كما سيخاطب أولئك المتألهين والباحثين عن الحنيفية السمحة.
سوف يلتقي بالأخيار كما سيلتقي بالفجار وفي كل الأحوال عليه أن يكون مؤدبا.
مؤدبا يتمتع بصفات الصفوة من البشر بل هو رأس الصفوة الذي أدبه ربه عز وجل.
سيختار من القول أطيبه، ومن اللفظ أعذبه، ومن البيان أبلغه، ومن الحكمة رأسها، ومن نفاذ البصيرة ما يؤثر في سامعيه ومحدثيه.
سوف يقابل الأرعن وعليه أن يتحمل رعوتنه، وسوف يقابل الجاهل وعليه مستعينا بعد الله بحلمه أن يصبر على جهله، وسوف يأتيه الخائف الحيران وعليه أن يطمئنه بقيمة رسالة الإسلام.
ليست هناك حالة واحدة ولا موقف واحد ولا صورة واحدة سيتخلى فيها النبي الإنسان عن الأدب.
حاشاه حاشاه وهو المعلم والمربي والحكيم.
الأدب إذن هو الصورة المثلى التي تعبر من خلالها الأفكار إلى الناس بسلاسة وهدوء واتزان، لا خشونة في حديث المتأدبين، ولا خصومة في ألفاظهم.
إنه السلام والمنطق الصائب والقول السديد، المتأدب شخص بلغ من السمو أنلا يتجاهل أحد كائنا من كان، هذا النبي الذي أدبه الله يفتقد خادمة كانت تكنس المسجد فيخبر أنها ماتت ثم غسلت وكفنت وصلي عليها ثم دفنت فينبه الناس أن هذه المرأة لها حق عظيم، لقد أحسنت العناية بمسجد النبي وصار حقا أن تكرم وأن يصلي عليها النبي المؤدب بنفسه.
عرّفوه قبرها فتنحى قليلا عن القبر وصلى، ودعا لها بالرحمة والمغفرة وكيف لا وهو المؤدب الذي تعلمنا منه أن الأدب الحقيقي ليس في الادعاء بل هو في تلازم القول السديد مع السلوك النبيل.
الأدب أيها المربون، أيها الآباء والأمهات، يا أهل الإعلام حيثما كنتم، الأدب -لسانا وقولا وبيانا وفعلا- هو ما يحتاج إليه المتربون أكثر من حاجتهم للمال والبذخ والحياة المترفة.
لن يتربى الطالب على الأدب وهو يرى معلمه جارح الألفاظ قاسي القلب، لا يأبه بالكلمات التي تخرج من فمه، كما لن يرتقي ذوق الفتاة وهي ترى معلمتها وقد تفوهت بألفاظ لا تليق ببيئة التعليم.
الأدب يؤخذ بالعادة والسلوك الحميد، ويتشرب عقل الناشئ ووجدانه الأدب وهو يتقلب في محيط أسري ومدرسي يتمثل فيه الكبار السلوكيات الحميدة، حيث تعكس ألفاظهم نبل معدنهم، وقوة أخلاقهم.
كما أن الإعلام عليه واجب كبير في هذا السياق فجدية المذيع ورقي بيانه، ودماثة خلقه، وطيب حديثه، واحترامه لمشاهديه ومستمعيه يمثل دعامة حقيقية ومصدر من مصادر بناء وتكوين ذوق الناشئ ولغته وأسلوبه في التعبير عن أفكاره وآرائه.
كما أن العنف الأسري والعنف في بيئة التعليم لفظيا كان أو بدنيا يمهدان لشخصيات عنيفة أو منطوية في المستقبل فكذلك هو الأدب والخلق الحسن يرتقيان بنفس الناشئ ويهذبان شعوره ويعودانه على أن يتواصل مع الحياة والناس بطريقة حضارية تنبئ عن حسن تربيته وأصالة البيئة التي يتعلم بها.