استقلال القضاء في تطبيق أحكامه واستقلاله عن أي تسلط أو نفوذ من قبل السلطة التنفيذية مبدأ لم أكن يوما أعتقد بوجود من يخالفه أو على الأقل من يجرؤ على الإعلان جهارا نهارا بأنه يؤيد تدخل السلطة التنفيذية في الجهاز القضائي والتأثير على أحكامه تحت أي دعاوى أياً كانت، فحتى الدكتاتوريون والطغاة لم يجرؤوا على ذلك، وإن كانوا تدخلوا ففي الخفاء.
لكن ما بال الأنظمة الإخوانية وبعض المتطرفين الإسلاميين يعلنون جهارا نهارا بأن لرئيس السلطة التنفيذية التدخل في القضاء باعتباره الحاكم بأمر الله، وله أن يفعل ما يشاء في الجهاز القضائي؟ هل لأن مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وحياده بدعة محدثة في الإسلام، وجاؤونا لإنكارها وإعادتنا إلى جادة الصواب وإلى الحق حتى نسلم ونتبع نهجهم وندمج السلطات في يد شخص واحد على اعتبار أنه الحاكم بأمر الله؟ لذلك رجعت للفقه الإسلامي والشرع الحنيف ليتضح لي أن أول من سن الفصل بين السلطات هم المسلمون، حيث يجب على القاضي المسلم أن يتحرى حكم الله تعالى عندما يصدر أحكامه مستقلا عن أي مؤثرات.
فاتضح لي أن مسألة استقلالية القضاء في الإسلام حقيقة ثابتة ومبدأ أصيل، فلا سلطان على القاضي في إصدار الأحكام إلا سلطان الشرع، ونصوص الشريعة وقواعدها العامة التي تمنع الحاكم أو غيره من التدخل في القضاء بأي وجه من الوجوه.
قال تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58).
كما جاء في بحث أبرز خصائص القضاء في الإسلام للدكتور ماهر أحمد بتصرف ما يلي: «للقضاء في الإسلام سلطة مستقلة، لا يملك أحد التأثير في أحكامها ونظرها للأمور بحال من الأحوال، حتى ولو كان الرأس العليا في الدولة، وهذا يعني شفافية القضاء في الإسلام، ونزاهته، وعدم انحيازه لأحد بشكل من الأشكال، وإن انحاز فإنه لن ينحاز إلا إلى الحق فقط، ومن مظاهر استقلال القضاء في الإسلام:1-القضاء في الإسلام يستند إلى شرع الله تعالى، وفي هذا يقول الله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ…) أي احكم بين الناس بالعدل، ولا تتبع هوى نفسك فيضلك عن سبيل الله.
وفسر القرطبي رحمه الله تعالى قوله تعالى ( وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) بقوله: لا تقتدِ بهواك المخالف لأمر الله، ومعلوم أنه أكثر ما يؤثر في القضاء هو هوى الحكّام وشهوتهم، فلا يستطيع مقاومتها إلا من رحم الله تعالى.
2-وفي التطبيق العملي الدال على ذلك في واقع المسلمين، ما جاء عن رسول الله حينما كلمه أسامة بن زيد رضي الله عنه في شأن المرأة المخزومية، حيث قال عليه الصلاة والسلام: وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
وفي هذا النص دلالة واضحة على أن القضاء في الإسلام لا يتأثر بالشفعاء، ولا بالمودة والقرابة، حيث ظهر في الحديث أن رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام ردّ شفاعة أسامة، من ناحية، ومن ناحية أخرى أعلن أن قرابته لفاطمة ابنته لن تمنعه من تنفيذ حكم الله عليها لو أنها فعلت ما يوجب ذلك».
(انتهى كلامه) كما أن رسالة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى واليه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حاكم سوريا وفلسطين: إنه لا سبيل لك على عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
وكان عبادة قاضيا لفلسطين من قِبل الخليفة، وهنا يضع عمر حدًّا لتدخل الولاة في شأن القضاة.
وقد ذكر الفقهاء أن السلطان لا ينقض حكم القاضي إلا إذا خالف الشرع.
ويحل محله في هذا الزمن محكمة الاستئناف -حسب رأيي- .
ومما يؤكد على مبدأ الفصل بين السلطة القضائية في الدولة الإسلامية وغيرها من السلطات الأخرى عدم جواز عزل القاضي بدون سبب مشروع لذلك، حتى لا يتعرض القاضي لأي نوع من أنواع التأثير الذي قد تقوم به السلطة التنفيذية، وبذلك يكون القاضي مستقلا، فلا يجبر على الحكم وفق هوى من قام بتعينه.