X
محمد الأحمدي

حتى لا تبيع الجامعة تخصصاتها (2)

الثلاثاء - 06 أبريل 2021

Tue - 06 Apr 2021

من الضروري أن تدرك الجامعات قبل الغوص في التحديات، أو سبل تكامل برامجها مع سوق العمل أن التوأمة مع السوق لا تعني التبعية المطلقة لمتطلباته بقدر تطوير الجوانب المهارية أو المهنية الداعمة والمصاحبة لرحلة التعلم.

وإلا أصبحت مراكز تدريب عليا تابعة لهوى سوق العمل، ومتطلباته المتجددة، والمتناقضة، بل المتقلبة لاعتمادها على مبدأ العرض والطلب المتغير نحو القوة البشرية في عصر باتت التكنولوجيا تحل بديلا عن اليد العاملة المهنية في العمل.







وهنا تقع التخصصات، والبرامج الأكاديمية فريسة للقطاع الخاص المتقلب في ظل عولمة الوظائف، والمهارات، والقدرات القائم على حساب تكلفة الفرد الوظيفية.

وهذا ملموس في بعض أسواق العمل التي تلجأ لتوظيف حاملي ذات المؤهلات من بلدان تكلفة اليد العاملة بها رخيصة، رغم تقديم الجامعات تنازلات أكاديمية للحصول على الدعم الحكومي المرتبط بملاءمة تخصصاتها لسوق العمل الذي عزف عن مخرجات الجامعات المحلية بحجة حساب التكلفة. وهذا اتجاه سلبي للاستقرار الأكاديمي.

نعم، الجامعات تعد مراكزا بحثية وعلمية تمتلك الخبرات المؤهلة في تشكل حاجات المجتمعات، والمساهمة في تنميتها، ومحركا قويا في بناء أي مجتمع بإنتاج المعرفة، والكفاءة المتقدمة سواء بالأيدي المؤهلة أو بالبحوث العلمية ونتائجها التي تصنع القوة المعرفية والاقتصادية في سوق العمل.

ومن خلال هذه المهمة تترابط مع مؤسسات المجتمع الأخرى، ومنها سوق العمل إما بإمداده بالقوة البشرية المؤهلة، أو بالمعرفة النوعية التي تعتبر ثروة اقتصادية، أو خلق الجامعة ذاتها لفرص جديدة، ومن ثم تبدأ رحلة التنافس التجاري تتوجه نحو المراكز البحثية الجامعية لصناعة المعرفة من أجل تحويل منتجاتها العلمية لاستثمارات حقيقية.

وفي ضوء هذه الرؤية فإن الجامعة تعد مركزا تنمويا للمجتمع والاقتصاد، ومتحكمة في تقديم جودة ذات كفاءة مهارية وعلمية مبنية على أسس ناشئة من التمازج بين رغبات وتطلعات الخريجين، وحاجات سوق العمل، ورؤى الحكومات، والأسس العلمية التي تؤمن بها المؤسسة لخريجيها، وقوة التخصص. وعند عدم قدرة الجامعة على صناعة هذا التمازج فإنها تبقى دون مستوى إمكانيتها المتاحة.

ويحقق لها هذا التكامل مع المؤسسات والهيئات المختلفة تبادل المعايير وأساليب التقييم للمخرجات لتستفيد منها الجامعة في مراجعة مخرجاتها، ومنظومتها التعليمية، وإعادة أولوياتها بشكل دوري، وأرى بأن من الأجدر أن تجري مراجعات لبرامجها بعد كل دفعة من الخريجين حتى لا تموت برامجها الأكاديمية. ولتستثمر جهود الهيئات التقويمية في البلد كهيئة التخصصات الصحية، وهيئة تقويم التعليم، وهيئة التخصصات الهندسية وبقية الهيئات المهنية والعلمية؛ ليتم معرفة المنطلقات التقييمية لمهارات الخريجين والعمل على مواءمتها بما يتوافق مع هوية الجامعة وتطلعاتها.

وأعتقد بأن المرحلة الحالية التي تعيشها الجامعات السعودية في ظل الخصخصة مرحلة ذهبية للتخطيط المستقبلي لهوية الجامعة، وتجويد تخصصاتها، وتحريرها من التقليدية الأكاديمية، والخروج بتحكيم تخصصاتها وبرامجها ومحتوياتها إلى التحكيم العالمي وليس المحلي حتى تنافس العالم وليس الإقليم، وبهذا تتجود المخرجات مما يتيح لسوق العمل الحصول على كفاءات عالية.

وهذا تحد يجب أن تسابق الزمن لتحقيقه قبل أن تصبح منظمة تعليمية رأسمالية تحتكم لمبدأ العرض والطلب.

وبأخذ معطيات سوق العمل في المملكة كسوق نام، يعتمد على الشركات النامية والمشاريع الصغيرة، والدعم الحكومي السخي نحو دعم صغار المستثمرين، والمشاريع الخاصة، يشكل هذا في ذاته للجامعة تحديا كبيرا في ملائمة برامجها نحو ذلك، أو على الأقل توجيه المهارات الناعمة في المرحلة التعليمية لتتواكب مع هذا التوجه.

عُرف عن الحكومة سبقها الدائم في توجيه، وحفز، وخلق الإلهام لآفاق سوق العمل كما أعلنه مؤخرا سمو ولي العهد في مشروع (شريك) المتمثل في الدعم السخي لسوق العمل. لكن في ظل هذه الحركة المتسارعة لسوق العمل، والتغير الطارئ لمنظومته فإن الجامعات قد تواجه إشكالية عدم وضوح الرؤية التشخيصية لواقع الخريجين أو المتطلبات الناتجة من دراسات علمية دقيقة باحتياجات سوق المستقبل المحلي، سواء بقلة الدراسات أو تحيز في بعضها لمبدأ دون آخر.

وهنا مخاطرة إذا اعتمدت عليها في التخطيط، وتعديل مسارات تخصصاتها فقد باعت تخصصاتها للمجهول المتغير الذي ينعكس سلبا على جودة مخرجاتها، وسمعتها في المجال الأكاديمي والتصنيف الدولي

ولذا فإن التركيز على تحقيق التنافسية العالمية الأكاديمية سيخرج الجامعات من وطأة سوق العمل المتغيرة. وللحديث بقية...

alahmadim2010@