X
محمد الأحمدي

مجتمع بلا أب

الثلاثاء - 23 فبراير 2021

Tue - 23 Feb 2021

يلقى في الوقت الراهن تطبيق كلوب هاوس حظوة عند بعض شرائح المجتمع العربي. هذا التطبيق الذي يُمَثِل حوارات صوتية لمناقشة قضايا يهتم بها أفراد المجموعة. أقرؤه لكم اليوم في سياق النظرية النقدية أو الفلسفة التحويلية.

ومن المفيد أن نلقي سويا نظرة على أصول النظرية النقدية، ورؤيتها للحقيقة، والواقع، والمعرفة. تحررت هذه النظرية من قيود الرؤية المحددة للواقع، والحقيقة التي شاعت في الفلسفات الوضعية والتأويلية التي سبقتها على الرغم من اتفاقها في وجود معرفة مستقلة عن العقل البشري. وفي الوقت ذاته فإن هذه المعرفة ناشئة من المجتمع الإنساني، وليس من التجربة والمعمل. وتختلف مع التأويلية في أن الحقيقة لا تتشكل من تصورات المجتمع، وإجماعه على مشتركات قيمية، وإنما تتغول في فهم سياق المجتمع التاريخي والثقافي والسياسي والاقتصادي من أجل كشف التناقضات بين فئات المجتمع، ومن ثم توجيه النقد، والانطلاق للتغيير، والسيطرة، وسن نظام اجتماعي قيمي جديد يتماشى مع رؤيتها الفردية.

إن هذه النظرة للمجتمع تعتمد على مبدأ الشك القيمي في أخلاقيات المجتمعات، والتخطئة للسلوك القائم في المجتمع، وبالتالي فهي تحمل رؤية أولية ذات نزعة تغييرية للواقع المعاش، وليس تحسينه وتطوير جوانب القصور فيه. فالقيم الإنسانية ذات جانبين قيم ثابتة وأخرى مرنه في المجتمعات المستقرة قيميا، لكن النظرة النقدية تجعل القيم متغيرة ومتجددة عبر الزمن من خلال ديمومة الصراع بين أطياف المجتمع لأجل تطوير المنظومة المجتمعية. فهي في قلقل دائم ومستمر تجاه تحقيق أهدافها المتحولة من فترة إلى أخرى القائمة على الصراع القيمي بين فئات المجتمع.

وعند أخذ العائلة مثالا لتوضيح مبدأ الصراع القيمي بين الوالدين والأبناء مما يؤدي إلى فصل قيم وتقاليد الأبناء عن آبائهم، فإن الأب يمثل سلطة القمع والقسوة والهيمنة على الأبناء في فرض القيم والالتزام بها، وتمثل الأم الحاجة الوقتية لإشباع الحاجات المادية للطفل، وتمثل أيضا المرونة والتراخي القيمي بدافع العاطفة والغريزة الفطرية في حب الطفل. ويبقى الطفل في هذه الحالة في صراع بين القسوة والمرونة، وينشأ هناك حاجة لإحلال منظومة تغرس القيم والأخلاق في نفوس الأجيال بعيدا عن ثبات القيم العائلية التي تشكل في مجموعها قيم المنظومة المجتمعية، وهوية المجتمع. وكلما اتحدت هذه المنظومة القيمية في المجتمع زادته صلابة ومناعته من الاختراق والتأثير.

وبعد تحجيم دور العائلة في التربية يتلقى الجيل القيم من المجتمع العالمي الكبير عبر وسائله المختلفة، وقد يتمثل هذا التحجيم في التطور المتسارع في التقنية والأحداث التي قد لا يستوعبها الآباء، مما يدفع الأبناء في مرحلة من المراحل بالاقتناع بعدم نفعية دور العائلة في خدمة مصالح الطفل الناشئ في زمن متطلباته مختلفة.

وفي مقابل هذا التحجيم لدور بعض العائلات في المجتمع فإنه حتما سيكون هناك طيف محافظ من المجتمع بقيمه وتقاليده وهويته. وهنا يحدث الصراع المجتمعي الذي تعتقد التحويلية أنه ضرورة لتطوير المجتمع. ولكنه في الحقيقة اضطراب وخلخلة لمنظومة القيم والاستقرار المجتمعي العام. ويتولد نتيجة ذلك الصراع المنتصر والخاسر الذي يتمثل في تبادل الأدوار في الحياة المجتمعية المتجددة. وهذا يتضح في الوقت الراهن في سيطرة بعض الأقليات المجتمعية ذات التوجهات المناقضة للفطرة في المجتمعات الغربية على مراكز القرار السياسي والثقافي والاجتماعي.

بالعودة إلى الكلوب هاوس، فإن تنشئة الصراع الطبقي في العائلة يولد شخصيات نرجسية فردية؛ تهتم وتتمحور حول ذاتها، ومفصولة عن المكان والزمان الذي تعيش فيه. بمعنى أن القيم المكانية التي يجمع عليها مجتمع ما في مكان ما، لا يصبح لها مرجعية عند الفرد، ويتجاهل خصوصية المكان، وتنتهي هنا القيود التي يفرضها الإجماع القيمي، ويتم تجاهل السياق الثقافي للمكان. وتسد ذلك الفراغ القيم العالمية الحرة والمرنة والمتجددة التي تبرر السلوك المختلف عن السياق المجتمعي. فالعالم الكبير يكون بلا قيم وأخلاق ثابتة، وقيمه محكومة بالمصلحة المتجددة المحتكمة للسوق، وهذا بات واضحا للمتابع في وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف تطبيقاتها.ومن خلال هذا الاضطراب القيمي للإنسان يسهل على النظام العالمي تشكيل الشخصية الفردية، وإقناعها بملاحقة الجديد في العالم المتجدد، وتوجيهها نحو ملاحقة العرض والطلب، ونقله من مهنة إلى أخرى دون مقاومة لأن شخصيته تشكلت على قيم التغيير المستمرة في الحياة.

@alahmadim2010